قال الحازمي في كتاب "العجالة": علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منه علم مستقل، لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته.
وقد ذكر ابن الصلاح منها خمسة وستين، وقال: وليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى: أحوال رواة الحديث، وصفاتهم، وأحوال متون الحديث، وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر وأهلها، فإذا هى نوع على حياله (^٣). اهـ.
إن معرفة متن الحديث لا يقل أهمية عن نقد الرجال؛ لأن الغاية والهدف المرجو من كلا المبحثين من مباحث علم الحديث هي الاستدلال على صحة وعدم صحة الأقوال والأحاديث المنسوبة إلى سيدنا رسول اللَّه ﷺ.
ولابن الأعرابي باع طويل في الخوض في هذا الفن يوصل به إلى النقد والتمحيص، فنراه ينبه على تفرد الرواة عن شيوخهم، ويبين اختلافهم عليه، وهو يتوخى في رأيه الاعتماد على اجتهاده، ثم أقوال أئمة الشأن في هذا العلم. وهذه نماذج من نقده للمتن:
١ - قال ابن الأعرابي: حدثنا إبراهيم بن الوليد الجشاش، نا محمد بن عرعرة، نا يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن عتبة بن عمرو، عن ابن عباس، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إِن الميِّت ليُعذَّبُ ببكاء الحي".
*- قال ابن الأعرابي: فذكرته لإبراهيم الحربي، فقال: حدثنا ابن عرعرة ثم رجع الجشاش بعد ذلك عنه، فقال: حدثناه ابن عرعرة، عن معن، عن ابن أبي ذئب عن عتبة، عن ابن عباس، عن أبي هريرة به (^٤).
_________________
(١) المعجم (١٦٣/ أ).
(٢) المعجم (٢٢/ أ).
(٣) مقدمة تدريب الراوي (ص ٥٣).
(٤) المعجم (١٠٧/ ب).
[ ١ / ٣٧ ]
٢ - وقال ابن الأعرابي: حدثنا ابن عتبة، نا محرز بن هشام الخزاعي، نا الربيع بن سهل الفزاري، عن مالك بن مغول، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبي: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي أذنيه".
* ثم حدثناه من أصل كتابه فقال: ليس فيه علقمة بن مرثد (^١).
٣ - قال ابن الأعرابي: حدثنا إبراهيم بن أبي العنبس، نا يعلى بن عبيد، نا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت:
خيّرنا رسول اللَّه ﷺ فاخترناه، فما كان ذلك طلاقًا.
* ثم حدثناه مرة أخرى فقال: عن عبيدة، وهو الصواب (^٢).
٤ - قال ابن الأعرابي: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، نا أبي، نا أبو داود، نا شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "تسحروا فإن في السحور بركة".
* قال عبد اللَّه: قال أبي: هو عبد العزيز بن صهيب أخطأ فيه أبو داود (^٣).
٥ - قال ابن الأعرابي: حدثنا عباس، وأبو أسامة الكلبي، قالا: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي، عن أبي عميس قال: نا قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى اْن يهود كانت تتخذ من يوم عاشوراء عيدًا فقال رسول اللَّه ﷺ: "خالفوهم صوموا أنتم".
* وقد رواه رقبة عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، ولم يذكر أبا موسى (^٤).
٦ - قال ابن الأعرابي: أخبرنا محمد بن معدان أبو عبد اللَّه، نا محمد بن الصلت التوزي، نا عبد اللَّه بن رجاء، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إليَّ.
_________________
(١) المعجم (٢٢/ أ).
(٢) المعجم (١٠٨/ أ).
(٣) المعجم (١١٨/ ب).
(٤) المعجم (١٧٨/ أ).
[ ١ / ٣٨ ]
* قال أبو عبد اللَّه: فذكرته لعلي بن المديني، فأنكره، وقال: ليس فيه أبو هريرة (^١).
٧ - قال ابن الأعرابي: حدثنا أحمد بن سعد، نا يعقوب بن كعب، نا يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ لبس خاتمًا ونقشه محمد رسول اللَّه" فكان إذا دخل الخلاء وضعه.
أخبرنا أبو داود، نا نصر بن علي، نا الحنفي أبو علي، عن همام. (ح) وحدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: اتخذ رسول اللَّه ﷺ خاتمًا فلبسه، فكان إذا دخل الخلاء وضعه".
- وقال أبو داود: وضع خاتمه.
وفي حديث علي قال ابن جريج: قال طاووس: إنما لبسه يومًا واحدًا.
قال أبو داود: هذا منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق، ثم ألقاه (^٢).
٨ - قال ابن الأعرابي: حدثنا أحمد بن حرملة، نا ابن وهب، حدثني زيد بن الحباب، أنه سمع حماد ابن أخت حميد الطويل يحدث عن أبي الزبير، عن جابر قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء".
وقال أبو سعيد: حماد ابن أخت حميد هو حماد بن سلمة (^٣).
٩ - قال ابن الأعرابي: حدثنا سعدان، نا سفيان بن عيينة، عن أبي يعفور، عن مسلم، عن مسروق، سمعت عائشة تقول: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر".
هكذا حدث به البخاري، عن علي بن المديني، والدبري، عن عبد الرزاق، عن سفيان، والحميدي، ونصر بن علي، عن سفيان (^٤).
١٠ - قال ابن الأعرابي: حدثنا عباس الدوري، نا يحيى بن معين، نا الثقفي، عن
_________________
(١) المعجم (٣١/ ب).
(٢) المعجم (٨٨/ ب).
(٣) المعجم (٩٩/ ب).
(٤) المعجم (١٦٣/ ب).
[ ١ / ٣٩ ]
عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر: إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة.
قال يحيى بن معين: هذا حديث غريب، لم يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي (^١).
_________________
(١) المعجم (١٧٣/ ب).
[ ١ / ٤٠ ]