ولما كان أولئك الأعلام السابقون فيه لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع، فإن غرضهم كان أولًا حفظ الحديث مطلقًا، وإثباته، ورفع الكذب عنه، والنظر في طرقه، وحفظ رجاله، وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن دخائل أمورهم حتى قدحوا وجرحوا وعدلوا، وأخذوا وتركوا هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر فكان هذا مقصدهم الأكبر وغرضهم الأوفى، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم.
ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل لا يجوز لهم ذلك، فإن الواجب أولًا إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات.
والأصل إنما هو عين الحديث، ثم ترتيبه، وتحسين وضعه، ففعلوا ما هو
[ ١ / ١٢ ]
الفرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم فتعبو لراحة من بعدهم.