قال ابن الأثير في "جامع الأصول":
علم الشريعة ينقسم إلى فرض ونفل. والفرض ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية.
ومن أصول فروض الكفايات علم أحاديث رسول اللَّه ﷺ وآثار أصحابه التي هي ثاني أدلة الأحكام.
له أصول وأحكام، وقواعد، واصطلاحات ذكرها العلماء، وشرحها المحدثون والفقهاء يحتاج طالبه إلى معرفتها والوقوف عليها بعد تقديم معرفة اللغة والإعراب اللذين هما أصل لمعرفة الحديث وغيره لورود الشريعة المطهرة على لسان العرب.
وتلك الأشياء كالعلم بالرجال، وأساميهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ووقت وفاتهم.
والعلم بصفات الرواة، وشرائطهم التي يجوز معها قبول روايتهم.
والعلم بمستند الرواة، وكيفية أخذهم الحديث، وتقسيم طرقه.
والعلم بلفظ الرواة، وإيرادهم ما سمعوه واتصاله إلى من يأخذه عنهم، وذكر مراتبه.
والعلم: بجواز نقل الحديث بالمعنى، ورواية بعضه، والزيادة فيه، والإضافة إليه ما ليس منه، وانفراد الثقة بزيادة فيه.
والعلم: بالمسند وشرائطه، والعالي منه والنازل.
والعلم: بالمرسل، وانقسامه إلى المنقطع والموقوف، والمعضل. . . وغير ذلك لاختلاف الناس في قبوله ورده.
والعلم: بالجرح والتعديل، وجوازهما ووقوعهما، وبيان طبقات المجروحين.
والعلم: بأقسام الصحيح من الحديث والكذب، وانقسام الخبر إليهما، وإلى
[ ١ / ٨ ]
الغريب والحسن وغيرهما.
والعلم: بأخبار التواتر، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك مما تواضع عليه أئمة الحديث، وهو بينهم متعارف، فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقدر ما يفوته منها تنزل درجته وتنحط رتبته.
إلا أن معرفة التواتر، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ، وإن تعلقت بعلم الحديث؛ فإن المحدث لا يفتقر إليه؛ لأن ذلك من وظيفة الفقيه؛ لأنه يستنبط الأحكام من الأحاديث فيحتاج إلى معرفة التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ.
فأما المحدث: فوظيفته أن ينقل، ويروي ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإن تصدى لما وراءه فزيادة في الفضل.
وأما مبدأ جمع الحديث وتأليفه، وانتشاره فإنه لما كان من أصول الفروض، وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه، وحفظه، ولذلك يسر اللَّه ﷾ للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه، وأحاطوا فيه فتناقلوه كابرًا عن كابر. وأوصله كما سمعه أول إلى آخر.
وحببه اللَّه تعالى إليهم لحكمة حفظ دينه، وحراسة شريعته فما زال هذا العلم من عهد الرسول ﵊ أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين خلفًا بعد سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب اللَّه ﷾ إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول اللَّه ﷺ إلى أن انعطفت لهم الهمم على تعلمه حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه.
فمنهم: من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته.
ومنهم: من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله.
وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ، والضبط في القلوب غير ملتفتين إلى ما
[ ١ / ٩ ]
يكتبونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب اللَّه ﷾، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، ومات معظمهم، وقل الضبط احتاج العلماء إلى:
تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج، ومالك ابن أنس، وغيرهما، فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل: "موطأ مالك بن أنس"، وقيل: إن أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح بالبصرة، ثم انتشر جمع الحديث، وتدوينه وتسطيره في الأجزاء، والكتب، وكثر ذلك، وعظم نفعه، إلى زمن الإمامين أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدونا كتابيهما، وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله، وسميا الصحيح من الحديث.
ولقد صدقا فيما قالا، واللَّه مجاز لهما عليه، ولذلك رزقهما اللَّه تعالى حسن القبول شرقًا وغربًا، ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف، وكثر في الأيدي، وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي قد جمعوا وألفوا فيه مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومثل أبي داود سليمان ابن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي وغيرهم؛ فكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهي. ثم نقص ذلك الطلب وقل الحرص، وفترت الهمم فكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنايع والدول وغيرها؛ فإنه يبتديء قليلًا قليلًا، ولا يزال ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ثم يعود، وكأن غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم، ومن كان في عصرهما ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء اللَّه.
[ ١ / ١٠ ]