٧٢- حدثنا عبد الله [بن عمرو بن أبي سعد]، ثنا أحمد [بن معاوية] ثنا الأصمعي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال:
كانت تماضر ابنة منظور بن زبان تحت عبد الله بن الزبير، فجعلت إليها خولة ابنة منظور بن زبان أختها أمرها في النكاح، فجعلت تماضر الأمر إلى عبد الله بن الزبير فزوجها الحسن بن علي ﵄، فبلغ ذلك منظورًا فقدم المدينة مغضبًا فأتى مسجد رسول الله ﷺ فركز رايته فيه، فاجتمعت قيس تحتها فقيل له: ما شأنك؟ فقال: لست بالرجل الذي يفتات عليه في ⦗١٤٦⦘ بناته، فأتى ابن الزبير الحسن فقال: اجعل أمر ابنته إليه ففعل، فأقرها عنده وانصرف.
[ ١ / ١٤٥ ]
٧٣- حدثنا عبد الله، [بن عمرو بن أبي سعد] . ثنا أحمد [بن معاوية] قال: ثنا الأصمعي قال:
ولي الحجاج العراق عشرين سنةً، صار إليها في سنة خمسٍ وسبعين، وكانت ولايته أيام عبد الملك إحدى عشرة سنة، وفي أيام الوليد تسع سنين، وبنى «واسط» في سنتين، وفرغ منها في السنة التي مات فيها عبد الملك سنة ستٍ وثمانين. وكان الحجاج لما احتضر استخلف يزيد بن أبي كبشة على الصلاة والحرب، ومات الوليد بعد الحجاج بتسعة أشهر.
[ ١ / ١٤٦ ]
٧٤- حدثنا عبد الله، ثنا أحمد قال: ثنا الأصمعي قال: قال خالد بن صفوان:
⦗١٤٧⦘
ليس شيءٌ أحسن من المعروف إلا ثوابه، وليس كل من أمكنه أن يصنعه تكون له فيه نية، وليس كل من تكون له فيه نيةٌ يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت النية والإمكان والإذن فقد تمت السعادة.
[ ١ / ١٤٦ ]
٧٥- حدثنا عبد الله، ثنا أحمد قال: ثنا الأصمعي، عن عيسى بن عمر قال:
كان محمد بن مروان قويًا في بدنه شديد البأس، فكان عبد الملك يحسده على ذلك، وعلى أشياء كان لا يزال يراها منه، وكان يداريه ويساتره حتى قتل مصعب بن الزبير، وانتظمت له الأمور فجعل يبدي له الشيء بعد الشيء مما في نفسه، ويقابله بما يكره من القول، ويبلغه عنه أكثر من ذلك، فلما رأى محمدٌ ⦗١٤٨⦘ ما أظهره له عبد الملك تهيأ للرحيل إلى أرمينية وأصلح شأنه وجهازه ورحلت إبله، حتى إذا استقلت للمسير دخل على عبد الملك مودعًا فلما خاطبه قال عبد الملك: وما السبب في ذلك؟ وما الذي بعثك عليه، فأنشأ يقول:
وإنك لا ترى طردًا لحرٍ كإلصاقٍ به بعض الهوان
فلو كنا بمنزلةٍ جميعًا جريت وأنت مضطرب العنان
فقال له عبد الملك: أقسمت عليك إلا ما أقمت، فوالله لا رأيت مكروهًا بعدها فأقام.
[ ١ / ١٤٧ ]
٧٦- قال وحدثنا الأصمعي قال: حدثني عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال:
اختصم إلى عمر بن الخطاب ﵁ حسان بن ثابت وخصمٌ له، فسمع منهما وقضى على حسان فخرج وهو ⦗١٤٩⦘ مهموم، فمر بابن عباس فأخبره بقصته، فقال له ابن عباس: لو كنت أنا الحاكم بينكما لحكمت لك، فرجع حسان إلى عمر وأخبره، فبعث عمر إلى ابن عباس فأتاه، فسأله عما قال حسان فصدقه، فسأله عن الحجة في ذلك فأخبره فرجع عمر إلى قول ابن عباس وحكم لحسان، فخرج وهو آخذٌ بيد ابن عباس وهو يقول:
إذا ما بن عباسٍ بدا لك وجهه رأيت له في كل منزلةٍ فضلا
قضى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذي إربةٍ في القول جدًا ولا هزلا
[ ١ / ١٤٨ ]
٧٧- قال: وحدثنا الأصمعي، عن المعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم قال:
⦗١٥٠⦘
كان هذا المكان -وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه- من خدي ابن عباس مثل الشراك البالي، يعني من كثرة البكاء.
[ ١ / ١٤٩ ]
٧٨- قال: وحدثنا الأصمعي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال:
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن أنا أفقه من بال، فقال ابن عباس: أجل في المباول، وعجب من قوله. قال: وقال الزهري: قال أبو سلمة: لو رفقت بابن عباس لأفدت منه علمًا كثيرًا، قال: وكان أبو سلمة ينازع ابن عباس في المسائل ويماريه، فبلغ ذلك عائشة فقالت: إنما مثلك يا أبا سلمة مثل الفروج سمع الديكة تصيح فصاح معها، يعني أنك لم تبلغ مبلغ ابن عباس وأنت تماريه، قال: وقدم أبو سلمة الكوفة، فجلس بين رجلين فقال له أحدهما: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: رجلٌ بينكما.
[ ١ / ١٥٠ ]
٧٩- قال: وحدثني الأصمعي عن جويرية بن أسماء:
أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم مكة فجعل يجتاز في سككها فيقول لأهل المنازل قموا أفنيتكم، فمر بأبي سفيان فقال: يا أبا سفيان قموا فناءكم، فقال: نعم يا أمير المؤمنين يجيء مهاننا، ثم إن عمر اجتاز بعد ذلك فرأى الفناء كما كان فقال: يا أبا سفيان ألم آمرك أن تقموا فناءكم؟! قال: بلى يا أمير المؤمنين ونحن نفعل إذا جاء مهاننا، قال: فعلاه بالدرة بين أذنيه فضربه، فسمعت هندٌ فقالت: أتضربه؟! أما والله لرب يومٍ لو ضربته لاقشعر بك بطن مكة فقال عمر: صدقت ولكن الله ﷿ رفع بالإسلام أقوامًا ووضع به آخرين.
[ ١ / ١٥١ ]
٨٠- قال: وحدثنا الأصمعي عن جويرية بن أسماء قال:
⦗١٥٢⦘
مر حكيم بن حزام -وقد كبر- بشبابٍ من شباب قريش وهو يهدج على عصاه، فقال بعضهم: قوموا إلى هذا الشيخ الذي قد خرف، فقاموا إليه فقال له شابٌ منهم: يا عم، متى أبعد عقلك؟ قال: فنظر إليه حكيم وعلم ما أراد، فقال له ابن فلان؟ قال: نعم، قال: أبعد عقلي أني أعرف أباك قينًا قال: وكان حكيم غير متهم فإنهم ليعيرون بكلمة حكيم إلى يومهم هذا.
[ ١ / ١٥١ ]
٨١- قال: وحدثنا الأصمعي، ثنا جرير بن حازم، عن الحسن أنه ذكر يوم الحرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحدٌ، ولقد قتل ابنا زينب بنت أم سلمة، وهي ربيبة رسول الله ﷺ، فأتيت بهما فوضعا بين يديها فقالت: والله إن المصيبة علي فيكم لعظيمةٌ، وهي في هذا -وأومأت إلى إحدهما- أعظم منها في ⦗١٥٣⦘ هذا -وأشارت إلى الآخر- لأن هذا بسط يده، ولست آمن عليه، وأما هذا فقعد في بيته، فدخل عليه فقتل فأنا أرجو له.
[ ١ / ١٥٢ ]
٨٢- حدثنا أحمد بن عثمان بن سعيد الخليلي الأنماطي، ثنا أبو عمرو بن خلاد الباهلي قال: سمعت الأصمعي يقول:
كان عبد الله بن عكيم يحب عثمان بن عفان ﵁، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يحب عليًا ﵁، وكانا متواخيين، فما تذاكرا شيئًا قط إلا ابن عكيم قال يومًا لعبد الرحمن في كلام جرى لو أن صاحبك كان صبر لأتاه الناس قال: وكان زر بن حبيش يحب عليًا، وكان شقيق بن سلمة ⦗١٥٤⦘ يحب عثمان وكانا متواخيين، فما تذاكرا قط شيئًا حتى ماتا.
[ ١ / ١٥٣ ]
٨٣- حدثنا محمد بن القاسم قال: ثنا الأصمعي قال:
وقف علينا أعرابيٌ من غني في عام الحطمة فقال: عجعجت الخيل ودبت وشاة غني، والله ما أصبحنا ننفخ في وضحٍ ولالنا في الديوان من وشمٍ، وإنا لعيال حزبة، وإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله ﷿.
قال أبو عبد الله: الوشاة: السعاة الذين يسعون بين الناس بالنميمة، وننفخ في وضح: أي لا لبن لنا، وفي الديوان من وشمٍ: أي ليس لنا فيه اسم فنعطى. وعيال حزبة: أي كثير عددهم.
[ ١ / ١٥٤ ]
٨٤- حدثنا محمد بن يونس، قال ثنا الأصمعي قال:
كان أعرابيان متواخيين بالبادية، فاستوطن أحدهما الريف، واختلف إلى باب الحجاج بن يوسف فاستعمله على أصبهان، فسمع به أخوه الذي بالبادية، فضرب إليه فأقام ببابه حينًا لا يصل، ثم أذن له بالدخول، فأخذه الحاجب فمشى وجعل ⦗١٥٥⦘ يوصيه ويقول: سلم على الأمير فلم يلتفت إلى وصيته وأنشأ يقول:
ولست مسلمًا ما دمت حيًا على زيدٍ بتسليم الأمير
فقال زيد: إذًا ما أبالي، فقال الأعرابي:
أتذكر [إذ] لحافك جلد شاةٍ وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال: نعم، وإني لأذكر ذلك، فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكًا وعلمك الجلوس على السرير
قال: فأدناه وساءله، وأمر له ببغلةٍ فركبها وانطلق فإذا هي نفرت وألقته صريعًا فأنشأ يقول:
أقول للبغل لما كاد يقتلني لا بارك الله في زيد وما وهبا
⦗١٥٦⦘
إذ جاء بالبغل لما جئت سائله وأمسك الفضة البيضاء والذهبا
[ ١ / ١٥٤ ]
٨٥- حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا الأصمعي، عن ابن عيينة، عن محمد بن سوقة قال:
كان رجلان متآخيين فسأل أحدهما الآخر من ماله فمنعه، فلم ير ذلك نقص مما كان له عليه من المودة شيئًا فقال له المانع: سألتني ممكنًا فمنعتك، فلم أر ذلك نقص مما كنت لي عليه من المودة شيئًا، فقال: يا أخي، إنما آخيتك على أمر كنت عليه لم تزل عنه فأنا على ذلك، فقال: إنما منعتك لأختبرك فإذا قد رأيت ذاك منك فابسط يدك من مالي إلى ما شئت فأنت فيه بمنزلتي.
[ ١ / ١٥٦ ]
٨٦- حدثني أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد ابن إبراهيم بن المسور القرشي، عن الأصمعي قال:
قيل لأعرابي ما بلغ من حزمك قال: لا أتكلف ما كفيت ولا أضيع ما وليت.
[ ١ / ١٥٦ ]
٨٧- وعن الأصمعي قال:
كان سعيد بن جبير مولى لبني والبة، قتله الحجاج في سنة أربعٍ وتسعين، وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة.
[ ١ / ١٥٧ ]
٨٨- حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: أخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن قريب، ابن أخي الأصمعي قال: حدثني عمي قال:
تزوج رجلٌ من الأعراب امرأةً من خزاعة، فأرسل إليها مع غلام له ثلاثين شاة وزقًا من شراب، فلما صار الغلام في بعض الطريق ذبح شاةً فأكلها، وشرب من الزق شيئًا، ثم أوصل إلى المرأة الوديعة، فلما أراد أن ينصرف إلى مولاه قال لها: يا مولاتي ألك حاجةٌ؟ قالت: نعم، إذا أتيت مولاك فأخبره أن الشهر كان محاقًا وأن سحيمًا راعي شائنا أتانًا مرثومًا، قال: فلما صار ⦗١٥٨⦘ إليه قال: ما صنعت؟ قال: أوصلت إليها ما كان معي، قال: فهل أوصتك بشيء؟ قال: نعم، قالت: قل له كذا وكذا، فدعا بالهراوة فقال: والله لأضربنك حتى تصدق، فقال: إن صدقتك تعفو عني؟ قال: نعم، فصدقه فعفى عنه.
[ ١ / ١٥٧ ]
٨٩- حدثنا أحمد بن الخليل بن سعد الدوري قال: سمعت الأصمعي يقول:
إنما سمي عمرو بن عامر مزيقياء لأنه كان يلبس في كل يوم حلتين، فإذا أمسى مزقتا لئلا يلبسهما أحدٌ بعده ترفعًا، كأنه لا يرى أحدًا من الناس أهلًا أن يعلوه ما علاه من الثياب.
قال: وعاش عمرو بن عامر ثمان مئة سنة، منها أربع مئة كان فيها سوقة، وأربع مئة كان فيها ملكًا.
[ ١ / ١٥٨ ]
٩٠- حدثنا أحمد بن الخليل قال: حدثنا الأصمعي، عن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن العباس قال:
ولد بقطر بن عابرٍ ثلاثة عشر ذكرًا لصلبه، فبعث الله ⦗١٥٩⦘ ﷿ إليهم أنبياء، فكذب عشرةٌ منهم وأولادهم ومن كان من نسلهم أنبياءهم فهلكوا، وهم ممن قال الله ﷿: ﴿وقرونًا بين ذلك كثيرًا﴾ ونجا الثلاثة الباقون، لأنهم صدقوا أنبياءهم، وهم: حضرموت بن بقطر، والسلف بن بقطر، والمودان. قال: وكان هؤلاء من أرض الحجاز إلى حدود الشام. وأما عمرو بن عامر فإنه كان بمأرب، وهو عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. ومأرب هي أرض سبأ التي ذكر الله ﷿ في القرآن أنه أرسل عليهم سيل العرم.
[ ١ / ١٥٨ ]
٩١- حدثنا أبو عمران موسى بن سهل الجوي، قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي، حدثني عمي قال:
كنت عند أمير المؤمنين الرشيد ومعنا سعيد بن سلم، فلما كان نحو نصف النهار انصرفا، فإذا نحن بيهوديين ضريرين، أحدهما يقود صاحبه، وقال أحدهما للآخر -وليس يعلم أن أحدًا يسمع كلامهما-: ويحك قد أقرح سنديٌ الحرسي قلوب الخلق، فقل معي: يا حليم ذو أناء، لا تعجل على الخطائين وإنما ⦗١٦٠⦘ تؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، لا طاقة لنا بسعة حلمك عن سندي الحرسي، وأنت العليم الحكيم.
قال الأصمعي: فقلت لسعيد: هل سمعت؟ قال: قد سمعت. قال الأصمعي: فلما وصلت إلى منزلي رميت بثيابي لأستريح، فإذا رسول الخليفة يدعوني إليه فراعني ذلك، وصرت مع الرسول فإذا هو جالسٌ في مجلسه ذلك فقال لي:
لا ترع، إنكم لما نهضتم غفوت فإذا قائلٌ يقول لي: اعزل سندي الحرسي عن رقاب الناس، وسل الأصمعي عما سمع. قال: فحدثته الحديث فظهر عليه من الخشوع والجزع شيءٌ عظيمٌ، وعلم أنها دعوةٌ استجيبت من وقتها، وبعث فأشخص الحرسي فضربه ألف سوطٍ، ثم أخذ صفة اليهوديين وأمر بطلبهما ببغداد كلها ومسألة اليهود عنهما فلم يعرفا.
[قال الضياء المقدسي]:
آخر ما انتقيت من أخبار الأصمعي، وكان بعد هذا حكاية واحدة. وقيل: آخر أخبار الأصمعي جمع القاضي أبي محمد عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زبر، عن شيوخه، والحمد لله ⦗١٦١⦘ وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. عورض ولله الحمد والمنة.
[ ١ / ١٥٩ ]