مما لا يختلف فيه اثنان، أنَّ مِنْ أكْثَرِ الناس معرفةً بالرجلِ تلاميذُهُ الذين تَطولُ مُلازَمَتُهُمْ لَه، لأنهُمْ يَطلِعونَ عَلَى كلِّ أحوالِهِ: في الرِّضَى، وَالغَضَب، وَالْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ لِذلِكَ نَبْدَأُ بِأقوالِ الحاكِمِ في شيخَهِ الإمَام مُحمد بن حبان.
قال الحاكَمُ: "أبو حاتِم البُسْتِيُّ القاضي كَانَ مِنْ أوعيَةِ العِلْم في اللُّغَةِ، والفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلاءِ الرِّجَالِ صَنَّفَ فَخَرَجَ لَهُ مِنَ التَصنِيفِ فِي الْحَدِيثِ مَالَا يُسْبَقُ إِلَيْهِ" (١). وًقَالَ أيضًا: "سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ- وذكر كتاب المجروحين لأبي حاتم البستي- فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان ابنٌ رحلَ في طلبِ الحديثِ، وأدركَ هؤلاءِ الشيوخَ، وَهذا تَصنيفُهُ، وأسَاءَ القولَ في أبي حاتمٍ. قَالَ الحاكمُ: أبو حَاتِم كبيرٌ في العلومِ، وَكَانَ يُحْسَدُ لِفَضْلِهِ وَتَقَدُّمِهِ" (٢).
_________________
(١) معجم البلدان ١/ ٤١٧.
(٢) معجم البلدان١/ ٤١٩.
[ ١ / ٤٥ ]
ووصفة الخطيب البغداديُّ بقوله:"وكان ابن حبان ثقهً نبيلا فاضلا" (١). وَقَالَ الخطيبُ- بعد أن ذكر عددًا من مصنفات ابن حبان-: "وَمثلُ هذِهِ الكتب الجَليلة، كانَ يَجِبُ أنْ يَكْثُرَ بهَا النَسْخُ فَيَتَنَافَسَ فِيهَا أهلُ الْعِلْمِ، ويَكْتُبُوهَا وُيجَلِّدُوهَا إِحْرَازًا لَهَا، وَلَا أحْسَبُ الْمَانِعَ مِنْ ذلِكَ إلَاّ قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ الْبلَادِ بِمَحَلِّ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدَهُمْ فِيهِ وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" (٢).
وَقَالَ عبدُ اللهِ بن محمد الأستراباذي: "وَكَانَ- ابنُ حبان- مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثارِ، وَالْمشْهُورِينَ فِي الأمْصَارِ وَالأقْطَارِ، عَالمًا بالطِّبِّ والنُّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٣).
وَقالَ أبو سَعْدٍ الإِدريسي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفاظِ الآثَارِ، عَالِمًا بالطِّبِّ، والنّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٤).
وَقَالَ يَاقوت الحموي: "كَانَ- ابنُ حبان- مُكْثرًا مِنَ الْحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ، وَالشُّيُوخِ، عَالِمًا بالْمُتُونِ وَالأسَانِيدِ، أخْرَجَ مِنْ عُلُوم الْحَدِيثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ تَأمَّلَ تَصَانِيفَهُ تَامُّلَ مُنْصِفٍ، عَلِمَ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ بَحْرًا فِي الْعُلُومَ" (٥).
وقال أحمد بن علي بن ثابت البغدادي: "مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي تَكْثرُ مَنَافِعُهَا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٤.
(٢) معجم البلدان ١/ ٤١٨.
(٣) معجم البلدان ١/ ٤١٨.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٤.
(٥) معجم البلدان ١/ ٤١٥.
[ ١ / ٤٦ ]
- إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعها- مُصَنَّفَاتُ أبي حَاتِمٍ البستي وَلَمْ يُقَدَّرْ لِي الوُصُولُ إلى النَّظَرِ فِيهَا، لأِنَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَا" (١).
وقال الإمام الذهبي: "وَكَانَ عَارِفًا بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالْفِقْهِ، رَاسًا فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ" (٢).
وَقَالَ السمعاني: "كَانَ أبو حَاتمٍ إمامَ عَصْرِهِ صنّف تصانيف لم يسبق إلى مثلها" (٣).
وقال ابن الأثير: "إِمَامُ عَصْرِهِ، لَهُ تَصَانِيفُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر: "كَانَ مِنْ أئِمَّةِ زَماَنِهِ، وَطَلَبَ الحديثَ عَلَى رَأْسَ سَنَةِ ثَلَاثِ مِئَةٍ". وقال أيضًا: "وَكَانَ عَارِفًا بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالكَلامِ، وَالْفِقْهِ، رَأْسًا فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ". وقال أيضًا: "وَابْنُ حِبَّانَ كَانَ صَاحِبَ فُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ" (٥).
وقال علاءُ الدين الفارسي: "فَإِنَّ مِنْ أجْمَعِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي الأخْبَارِ النبوية، وَأنْفَعِ الْمُؤَلَّفَاتِ فِي الآثارِ المحَمَّدِيَّةِ كِتَابَ: التَّقاسِيمِ وَالأنْوَاعِ" (٦). وقال ابن العماد: "العَالِمُ الحَبْرُ، وَالعَلَاّمَةُ الْبَحْرُ، كَانَ حَافِظًا ثَبتًا إِمامًا
_________________
(١) معجم البلدان ١/ ٤١٧.
(٢) ميزان الاعتدال ٣/ ٥٠٦.
(٣) الأنساب ٢/ ٢٠٩، وانظر طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٣٢.
(٤) اللباب ١/ ١٥١.
(٥) لسان الميزان ٥/ ١١٢، ١١٤.
(٦) مقدمة الصحيح ١/ ٧٩ بتحقيقنا.
[ ١ / ٤٧ ]
حُجَّةً، أحَدَ أوْعِيَةِ الْعِلْم وَكَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الحَديثِ، وَالْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالوَعْظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى الطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، والْكَلَامِ" (١).
وقال الأسنوي: "كَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ، لًغَةً، وَحَدِيثًا، وَفِقْهًا، وَوَعْظًا، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ" (٢).
وقال الصفدي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثَارِ، عَالِمًا بالطِّبِّ، وَالنُّجُوم وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٣).
وقَال الحافظ ابن كثير: "مُحمدُ بن حبان صَاحِبُ "الأنْوَاعِ والتقاسيم" وَأحَدُ الحُفَّاظِ الْكِبَارِ الْمُصَنِّفِينَ، الْمُجْتَهِدينَ" (٤).
فهذه شهاداتٌ - دون الحصول على واحدة منها خرطُ القَتَادِ- صدرت عن علماء ثقات- متخصصين في الحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وفي غيره من العلوم وفنون المعرفة، تدل كلها على أن ابن حبان بلغ مرتبة الإِمامة في علم الحديث، وفي غيره من العلوم، وتدل أيضًا على أن مصنفاته غاية في النفاسة، والد قة، والجدّة، والجودة، والاتقان.