وَأمَّا الكُتُبُ الّتِي انْتَهَتْ إِلَيْنَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ هذَا الإمَامِ البَّارِعِ، وَالْحافِظِ النَّاقِدِ، فَهِيَ:
١ - "الْمُسْنَدُ الصَّحيحُ عَلَى التَّقَاسِيم وَالأنْوَاعِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَطْع. فِي سَنَدِهَا، وَلَا ثُبُوتِ جَرْحٍ فِي نَاقِلِيهَا" وَالْمَشْهُور جمنْدَ الْعُلَمَاءِ بِ "صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان " وسنتحدث عنه فيما بعد.
٢ - "كِتَابُ الثِّقَات" يقول ابن حبان في مقدمته ١/ ٣: "فَلَمَّا رأيْتُ مَعْرفَةَ السُّنَنِ مِنْ أعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَأنَّ حِفْظَهَا يَجِبُ عَلَى أكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأنَّهُ لا سبيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّقِيمِ مِنَ الصَّحيحِ، ولا صحة إخراج الدليل من الصريَح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات، فأردت أن أُملي أسامي أكثر المحدّثين، ومن الفقهاء من أهل الفضل والصالحين، ومَن سلك سبيلهم من الماضين".
لقد بيّن لنا في هذا النص الدَّافعَ إلى كتابة "الثقات" و"الضعفاء" أيضًا. ولكن ما الخطة التي اتبعها في تأليف كتابه "الثقات"؟.
يقول في مقدمته ١/ ١٠ "وأبدأ منهما بالثقات، فنذكر ما كانوا عليه
[ ١ / ٢٧ ]
من الحالات: فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى - ﷺ -، ومولده، ومبعثه، وهجرته إلى أن قبضه الله تعِالى إلى جنته، ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أنْ قُتِلَ عَلِي - رحمة الله عليه- ثم نذكر صَحْبَ رسول الله - ﷺ - واحدًا واحدًا عَلَى المعجم إذْ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنًا بَعْدَ رَسُولِ الله - ﷺ، ثم نَذكر بَعْدَهُمُ التابعين الذين شافَهُوا أصحابَ رَسولِ الله -ﷺ- في الأقاليم كُلِّها عَلَى المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرنًا، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل مَن قبلهم. وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا، ولا أذكر في هذا الكتاب إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم".
ونسأل: متى يجوز الاحتجاج بخبر هذا الثقة؟ فيجيبنا: "إذا تعرّى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممّن أذكره في كتابي هذا، فإن الخبر لا ينفك من إحدى خصال خمس:
١ - إمَّا أنْ يكونَ فوق الشَّيْخ الَّذي ذكرتُ اسْمَهُ في كِتَابي هذا، في الإِسناد رَجُل ضعيف.
٢ - أو يكون دونَهُ رجلٌ واهٍ لا يجوزُ الاحتجَاجُ بِرِوَايَتِهِ.
٣ - أو الْخَبَرُ يَكُونُ مُرْسلًا لا يَلْزَمُنَا بهِ الْحُجَّةُ.
٤ - أوْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الحُجَّةُ.
٥ - أوْ يَكُونُ في الإسناد رَجُلٌ مُدَلِّس لم يبيِّنْ سَمَاعَهُ في الخبر من الذي سمعه منه" الثقات ١/ ١٢.
[ ١ / ٢٨ ]
"فَكُلَّ مَنْ ذكرته في كتابي هذَا، إِذَا تَعَرَّى خبره عن الخصال الخمَس التي ذكرتها، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل مَن لم يعرف منه الجرح، والجرح ضد التعديل، فمَن لم يعلم بجرح، فهو عدل إذا لم يبيّن ضده، إِذْ لَم- يُكَلَّفِ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ مَعْرِفَةَ مَا غَابَ عَنْهُمْ، وَإنَّمَا كُلِّفُوا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ من الأَشْيَاءِ غير المغيب عنهم، جعلنا الله ممّن أسبل عليهم جَلابيبَ السَّتْر في الدُّنيا، واتَّصل ذلِكَ بالْعَفْوِ عَنْ جِنَايَاتِهِ في العُقْبَى، إِنَّه الفَعَّالُ لما يُريدُ". الثقات ١/ ١٣ - ١٤ آخر مقدمَته.
وَقَدْ طُبِعَ هذا الكتاب في تسعة أجزاء، وصنعت لهِ فهارس في مجلد عاشر (١).
٣ - كتاب "الجرح والتعديل" وهو في تراجم الرجال مِنْ جِهَة مَنَازِلهم في الرِّوَايَةِ. وهو مُكَمِّلُ لِكِتَابِهِ "الثِّقَات".
٤ - كتاب "الضُّعَفَاء" الذي قام بتحقيقه المحقّق الفاضل محمود إبراهيم زايد بعنوان "المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين". وتمّ طبعه بثلاثة أجزاء. وقد قال في تقدمته: ١/ ١. "من خير الكتب وأجمعها، فإن ابن حبان يخطو في هذا الكتاب خطوة واسعة في هذا الفن؛
أ- هو أولًا وضع قواعده العشرين في التضعيف والجرح وترك الرجال.
ب- يذكر اسم الرجل كاملًا، والحكم عليه، والأسباب التي استند إليها في تكوين هذا الحكم، بينما كان النسائي- وهو أُستاذ ابن حبان- وَمَنْ عاصرَهُ أو مَنْ سَبَقَهُ مق الشيوخ يكتفون في مصنفاتهم عن
_________________
(١) عندما كتبت هذه الدراسة في ١/ شعبان / ١٤٠٣ هـ الموافق ١٣/ أيار ١٩٨٣ م كان كتاب الثقات يصدر الجزء بعد الجزء، ففصلنا بعض التفصيل غير أن الكتاب قد تم تحقيقه وطبعه بفضل الله فاستبدلنا ذاك، بهذا الذي كتبنا، والله ولي التوفيق.
[ ١ / ٢٩ ]
ضعفاء الرجال بذكر اسم الراوي، والرأي فيه باختصار شديد مثل: فلان ضعيف، منكر الحديث، ضعّفه فلان، تركه فلان.
ج- ينقل بعد هذا رأي الأئمة في الرجال.
د- ينهي الترجمة برواية الأحاديث التي أنكرها المحدّثون عليه، ويصدر ذلك بقوله: "قال أبو حاتم: " لكن لا يسلم له بكل ما جاء فيه، فقد يندّ عن الصواب في بعض ما ذهب إليه كما بيّنه النقاد.
٥ - كتاب "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" وهو كتاب نفيس في مكارم الأخلاق والخصال المحمودة، وهو مطبوع بتحقيق محي الدين عبد الحميد، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد حامد الفقي سنة (١٩٤٩).
٦ - كتاب "مشاهير علماء الأمصار" قام بتحقيقه مـ: فلايشهمر سنة (١٩٥٩). وقد ضم (١٦٠٢) ترجمة من الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، ومن تبعهم من الأخيار والصالحين: من الحجاز بحواليها، والعراق بنواحيها، والشام بأطرافها، ومصر بجوانبها، واليمن بما والاها، وخراسان بما دار عليها. هذا ما اطّلعنا عليه من مؤلفات هذا الِإمام التي انتهت إلينا، أما مؤلفاته التي ذكرها مَن ترجم له، ولم نقف عليها، ويغلب على الظن أنها أصبحتِ في حكم المفقود فهي:
١ - كتاب "الهداية إلى علم السنن" الذي قصد فيه إظهارَ الصِّنَاعَتيْنِ، وَهُمَا صِنَاعَتَا الحديثِ والفِقْهِ، يذكر فيه الحديثَ، ويترجم لَه، ثم يذكرُ مَنْ يَتَفَرَّدُ بِذلِكَ الحديثِ، وَمِنْ مَفَارِيدِ أي بَلَدٍ هوَ.
ثم يذكر كُلَّ اسْمٍ فِي إسْنَادِهِ مِنَ الصَّحابيِّ إِلَى شَيْخِهِ بما يعرفُ مِنْ نِسْبَتِهِ، ومولده، وتاريخ وفاته، وكنيته وقبيلته، وفضله وتيقظه، ثم يذكر ما في الحديث من الفقه والحكمة. فإن عِارضه خبِر ذكره وجمع بينهما، وإن تَضادَّ لَفْظُهُ مع خَبر آخرَ تَلَطَّفَ للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الحديث والفقه معًا.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال الكثير من العلماء: وَهذَا مِنْ أنْبَلِ كُتُبِهِ وَأعَزِّهَا.
٢ - كتاب "شعب الإِيمان" يعدّ ابن حبان من أقدم مَن ألّف في ذلك، ثم تبعه الحليمي والبيهقي.
٣ - كتاب "الصحابة" ويتألف من خمسة أجزاء.
٤ - كتاب "التابعين" ويتألف من اثني عشر جزءًا.
٥ - كتاب "أتباع التابعين" ويتألف من خمسة عشر جزءًا.
٦ - كتاب "تبع الأتباع" ويتألف من سبعة أجزاء.
٧ - كتاب "تبع التبع" ويتألف من عشرين جزءًا.
٨ - كتاب "الفصل بين النقلة" ويتألف من عشرة أجزاء.
٩ - كتاب "علل أوهام التواريخ" ويتألف من عشرة أجزاء.
١٠ - كتاب "ما انفرد به أهل المدينة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء.
١١ - كتاب "ما انفرد به أهل مكة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء.
١٢ - كتاب "غرائب الأخبار" ويتألف من عشرين جزءًا.
١٣ - كتاب "ما أغرب الكوفيون عن البصريين" ويتألف من عشرة أجزاء.
١٤ - كتاب "ما أغرب البصريون عن الكوفيين" ويتألف من ثمانية أجزاء.
١٥ - كتاب "الفصل والوصل" ويتألف من عشرة أجزاء.
١٦ - كتاب "موقوف ما رفع" ويتألف من عشرة أجزاء.
١٧ - كتاب "أدب الرحّالة" وهو جزآن.
١٨ - كتاب "علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه" وهو عشرة أجزاء.
١٩ - كتاب "علل ما استند إليه أبو حنيفة" عشرة أجزاء.
٢٠ - كتاب "ما خالف الثوري فيه شعبة" ثلاثة أجزاء.
٢١ - كتاب "علل حديث الزهري" وهو عشرون جزءًا.
٢٢ - كتاب "مناقب مالك بن أنس" جزآن.
٢٣ - كتاب "علل حديث مالك" عشرة أجزاء.
[ ١ / ٣١ ]
٢٤ - كتاب "مناقب الشافعي" جزآن.
٢٥ - كتاب "المعجم على المدن" عشرة أجزاء.
٢٦ - كتاب "المقلّين من الحجازيين" عشرة أجزاء.
٢٧ - كتاب "المقلّين من العراقيين" عشرون جزءًا.
٢٨ - كتاب "الجمع بين الأخبار المتضادّة" جزآن.
٢٩ - كتاب "وصف المعدِّل والمعدَّل" جزآن.
٣٠ - كتاب "ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة" جزآن.
٣١ - كتاب "أسامي مَن يعرف بالكنى" ثلاثة أجزاء.
٣٢ - كتاب "كنى مَن يعرف بالأسامي" ثلاثة أجزاء.
٣٣ - كتاب "التمييز بين حديث النضر الحداني، والنضر الخزاز" جزآن.
٣٤ - كتاب "الفصل بين حديث أشعث بن مالك، وأشعث بن سوار" جزآن.
٣٥ - كتاب "الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور بن زاذان" ثلاثة
أجزاء.
٣٦ - كتاب "الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي" جزء واحد.
٣٧ - كتاب "ما أسند جنادة عن عبادة" جزء واحد.
٣٨ - كتاب "الفصل بين حديث ثور بن يزيد، وثور بن زيد" جزء واحد.
٣٩ - كتاب "ما جعل عبد الله بن عمر، عبيد الله بن عمر" جِزآن.
٤٠ - كتاب "ما جعل شيبان سفيان، أو سفيان شيبان" ثلاثة أجزاء.
٤١ - كتاب "الأبواب المتفرقة" ثلاثون جزءًا.
٤٢ - كتاب "الفصل بين حدّثنا وأخبرنا" جزء واحد.
٤٣ - كتاب "التاريخ"، وهو من الكتب الكبيرة لذلك لجأ إلى تأليف "الثقات"
و"الضعفاء" منه ليسهل العودة إليهما على مَن يريد ذلك. انظر مقدمة
"الثقات".
٤٤ - كتاب "وصف العلوم وأنواعها" ثلاثون جزءًا
[ ١ / ٣٢ ]
٤٥ - كتاب "صفة الصلاة" ذكره في "صحيحه".
٤٦ - كتاب "محجّة المبتدئين " ذكره في الصفحة (١٩) من "روضة العقلاء".
٤٧ - كتاب "العالم والمتعلّم" ذكره في الصفحة (٢٧) من "روضة العقلاء".
٤٨ - كتاب "حفظ اللسان " ذكره في الصفحة (٣٦) من "روضة العقلاء".
٤٩ - كتاب "مراعاة العشرة" ذكره في الصفحة (٧٤) من "روضة العقلاء".
٥٠ - كتاب "الثقة بالله" ذكره في الصفحة (١١١) من "روضة العقلاء".
٥١ - كتاب "التوكل" ذكره في الصفحة (١٣٥) من "روضة العقلاء".
٥٢ - كتاب "مراعاة الإِخوان" ذكره في الصفحة (١٥٩) من "روضة العقلاء".
٥٣ - كتاب "الفصل بين الغنى والفقر" ذكره في الصفحة (٢٠٠) من "روضة
العقلاء".
٥٤ - كتاب "السخاء والبذل" ذكره في الصفحة (٢٠٥) من "روضة العقلاء". قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي لما وقف على تذكرة ابن ناصر السجزي المتضمنة أسماء مصنفات ابن حبان: "سألتُ مسعودَ بن ناصر، فقلت لَهُ: أكُلُّ هذِهِ الْكُتُبِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَكُمْ وَمَقْدُورٌ عَلَيْهَا بِبِلَادِكُمْ؟
فَقَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ مِنْهَا الشَيْءُ الْيَسِيرُ والنزْرُ الْحَقِيرُ" وكان هذا بعد مئة سنة من عصر ابن حبان. قال الخطيب البغدادي: "ومِثْلُ هذِهِ الكُتُب الْجَليلَةِ كانَ يجبُ أن يكثرَ بها النَسْخُ، فيتنافسَ فيهَا أهلُ العلم ويَكْتَبُونَهَاَ وُيجَلِّدُونَهَا إِحْرَازًا لَهَا، ولا أحْسَبُ المانِعَ مِنْ ذلِكَ كانَ إلا قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ البلادِ بمَحَلِّ الْعِلْم وَفَضْلِهِ وَزُهْدِهمُ فِيهِ، وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" (١).
فإذا ما علمنا أن هذه الثروة الهائلة من الكتب- على تنوّع أبحاثها
_________________
(١) معجم البلدان١/ ٤١٨.
[ ١ / ٣٣ ]
واختلاف حجوم أجزائها- قد ضاعت، ما عدا اليسير منها، أدركنا بالغ
الخسارة التي منيت بها المكتبة الإسلامية بضياع هذا العلم العظيم.