تربع ابن حبان على كرسي الأُستاذية- وهو به جدير- بعد أن أفنى نصفَ عُمُرِهِ جوّابًا في الآفاقِ، جَمَّاعًا لِلْعِلْمِ، طَلَّابًا للحق، حَتَّى أصْبَحَ الأسْتَاذَ الْعَلَمَ في أكثر من فَنٍّ، وبخاصة في هذا العلم الشريف، وأصبحت الرحلة إليه لقراءة كتبه عليه، واِلافادة منه. لقد أصبحَ الِإمامَ المجْتَهِدَ الذي يتدبَّرُ الصِّحَاحَ بفكرٍ ثاقبٍ، ورويَّةٍ
[ ١ / ٣٧ ]
مُدْهِشَةٍ، عُمْدَتُهُ فِي ذلِكَ ذكاءٌ نَادِرٌ، وَخِبْرَةٌ طويلةٌ، وممارَسَةٌ أصيلَةٌ، وشجاعَةٌ فِي الْحَقِّ نَادِرَةٌ. فَهُوَ بذلِكَ كله الإمامُ القادِرُ عَلَى الأخْذِ والردِّ، مِنْ كُلِّ شَيْخٍ سَابِقٍ لَهُ فِي هذَا المِضمَارِ النَّبِيل.
فَمَا الشُرُوطُ الًتي يَنْبَغِي أنْ تَتَوَفَّرَ فِي الْحَدِيثِ لِيَكُونَ مِنْ مَرْوَيَّاتِهِ، مُثْبَتًا فِي مُدَوَّنَاتِهِ؟ إِنَهُ يُقَررُ ذلِكَ- بِلَهْجَةِ الأُسْتَاذِ الوَاثِقِ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ: "وَأمَّا شَرْطُنَا فِي نَقَلَةِ مَا أوْدَعْنَاهُ كِتَابَنَا هذَا مِنَ السُّنَنِ، فَإِنَّنَا لَمْ نحتجَّ فِيهِ إلَاّ بِحَديثٍ اجْتَمَعَ فِي كُل شَيْخٍ مِنْ رُوَاتِهِ خَمْسَةُ أشْيَاءَ:
الأول: العدالةُ في الدينِ بالسَّتْر الْجَمِيلِ.
والثاني: الصِّدْقُ في الحديثِ بالشَهْرَةِ فِيهِ.
والثالث: العَقْلُ بِمَا يُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ.
والرابع: العِلْمُ بِمَا يُحِيلُ مِنْ مَعَانِي الآثَارِ.
والخامس: المتَعَرِّي خَبَرُهُ فَي التَّدْلِيسِ.
فَكُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هذِهِ الخِصَالُ الخَمْسُ، احْتَجَجْنَا بحَديثِهِ، وَبَنَيْنَا الْكِتَابَ عَلَى رِوَايَتهِ وَكُلُّ مَنْ تَعَرَّى عَنْ خَصْلَةٍ مِن هذه الْخِصَالِ الْخَمْسِ، لَمْ نحْتَجَّ بِهِ" (١).
لقد كتب هذا المحقّق العظيمِ عن أكثر من ألفي شيخ، ولكن مُعَوَّلَ صَحِيحِهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ شَيْخاَ، اقْتَنَعَ بِرِوَايَتِهِمْ واطَّرَحَ الْبَاقِي. فَكَيْفَ كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ الْقنَاعَةُ؟ وَمَا الطَّرِيقُ الّذِي يَسْلُكُهُ لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا؟
_________________
(١) مقدمة ابن حبان لصحيحه ١/ ١٣٩ بتحقيقنا.
[ ١ / ٣٨ ]
يقول: "وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَديثَ شَيْخٍ شَيْخٍ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاعْتِبَارِ عَلَى سَبيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بهِ، وَقَبلْنَا مَا رَوَاهُ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابنَا هذَا، وَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا أنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بالَاعْتِبَارَ الَّذِي وَصَفْنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَاب (الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ) بِأحَدِ أسْبَابِ الْجَرْحِ" (١).
فابن حبان يعتدّ بهذه الشروط الآنفة الذكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا، إذا استوفى الشروط المذكورة، أو يطرحه ويدرجه في "كتاب الضعفاء" إذا أخلّ بواحد منها، وهو في صنيعه هذا يعد نفسه إمامًا مجتهدًا، لا يقلد أحدًا من الأئمة الذين تقدموه، ولا يعبأ بمخالفتهم له فيما انتهى إليه، يقول: "فَمَنْ صحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَةِ، وَصِحَّةِ الاعْتِبَارِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَّهُ ثِقَة احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ اعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ. وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بالدلائل النيرة، وَالاعْتِبَارِ الْوَاضِحِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَهُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَمْ أحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أئِمَّتِنَا" (٢).
وهذه الشروط التي شرطها ابن حبان لتصحيح الحديث في كتابه- وهي شروط دقيقة تتطلب جهدًا كبيرًا، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة- قد التزمها، ووفى بها في عامة ما أدرجه في صحيحه هذا من الأحاديث، ولم يُخِل بذلك إلا فيما لا يخلو منه عالم أو كتاب من السهو والغلط، أو من اختلاف الرأي في الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، والتعليل والترجيح.