لقد أسلفنا القول: إن هذا الصحيح لقي من الإِهمال والترك ما لا يستحقه كتاب لا يتمتع بمعشار ما يتمتع به هذا المصنف العظيم، ولم يلق من الدراسة والعناية والاهتمام ما لقيه غيره من كتب السنّة المطهرة حتى قام علاء الدين الفارسي (٦٧٥١ - ٧٣٥ هـ) بإعادة ترتيبه على أبواب الفقه، فتضلّع به، وسبر ما فيه وهو عالم ذو شأن في هذا المضمار فقال بحق: "فَإِنَّ مِنْ أجْمَعِ المُصَنَّفَاتِ فِي الأخْبَارِ النَبَوِيَّةِ، وَأنْفَعِ المؤلَّفات فِي الآثَارِ المُحَمَّدِيَّةِ كِتَابُ "التَقَاسِيمِ وَالأنْوَاعِ".
[ ١ / ٥٧ ]
وقال العلاّمة أحمد شاكر في مقدمة الجزء الذي حقّقه ص (١١):
"صَحِيحُ ابْنِ حِبَّان كِتَابٌ نَفِيسٌ، جلِيلُ القَدْرِ، عَظِيمُ الْفَائِدَةِ، حَرَّرَهُ مُؤَلِّفُهُ أدَقَّ تَحْرِيرٍ، وَجَوَّدَهُ أحْسَنَ تَجْوِيدٍ، وَحَقَقَ أسَانِيدَهُ وَرِجَالَهُ، وَعَلَّلَ مَا احْتَاجَ إِلَى تَعْلِيلِ مِنْ نُصُوصِ الأحَادِيثِ وَأسَانِيدِهَا، وَتَوَثَّقَ مِنْ صِحَّةِ كُلِّ حَديثٍ اخْتَارَهُ عَلَىَ شَرْطِهِ، وَمَا أظُنُهُ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِمَا الْتَزَمَ إِلَاّ مَا يُخْطِىءُ فِيهِ الْبَشَرُ، وَمَا لَا يَخْلُو مِنْهُ عَالِمٌ مُحَقِّق".
ونحن- بعد الدرس- نقول: إن هذا الصحيح الذي نقدمه الآن للقرّاء، فيه من المزايا ما يجعله بالفعل محطّ أنظار الدارسين الغيورين على السنّة المطهرة، الساعين لجمعها ونشرها، فهو يجمع كل خصائص الكتب التي ألِّفت في بابه، ويزيد عليها:
١ - فهو المحاولة الثانية الجادة في تاريخنا العلمي لاستيعاب الأحاديث الصحيحة كلها في مصنّف واحد، واطّراح ما سواها. لذلك فهو- برأينا- أكثر من نواة لمعلمة الحديث الصحيح التي آن وقت جمعها لتكون منار الهدى في يد كل مسلم، تجمع شعث الآراء، وتوحِّد منهج الحياة، وتطرح أسباب الفرقة والخلاف، إذ ليس لأحد قول مع رسول اللهﷺ -. وإننا لنرجو الله تعالى أن يلهم الغيورين على ذلك العمل، وأن يهبهم القدرة على جمعها إنه خير مسؤول وأسرع مَن يجيب.
٢ - لقد توّج الإِمام ابن حبان كل حديث بعنوان فقهي، استنبطه من نص الحديث- صنيع البخاري ﵀ في صحيحه- ولكنه زاد عليه كثيرًا، لأنه درس كلِ حديث أولًا، ولأن عدد الأحاديث في صحيح ابن حبّان تزيد على ما عند البخاري ثانيًا.
ومنْ تَصَفُّح العناوين يدرك القارئ مقدرة خارقة على النفاذ إلى النص واستشفاف مؤداه، وذكاءً مدهشًا في صياغة العنوان الذي يدل على المحتوى ويوضح المقصود.
[ ١ / ٥٨ ]
٣ - إنه يذيِّل بعض الأحاديث التي يعتقد أن تأويلها مثار اختلاف بتعليقات يكشف المراد منها- حسب رأيه- وهي في كثير من الأحيان لا تعدو الحق، وفي كل الأحيان تدل على سعة علم، ودقة فهم، وتعمّق مذهل في كل معارف العصر، ومعطيات الحياة.
٤ - إنه- وهو الإمام المجتهد في الجرح والتعديل- يعرف ببعض الأشخاص الذين تتشابه أسماؤهم وينص على كل منهم، ويبين درجة كل منهم، حسب الأصول التي أصلها في كتابيه: "الثقات" و"المجروحين".
٥ - وهو لتضلعه بالسنّة، ولعلمه الغزير، ولملاحظته النافذة، وذكائه المتوقد، يدرك بثاقب نظره أين يمكن أن يكون التعارض بين حديثين أو أكثر، فيحاول الجمع بينهما، ويبيّن المراد منهما، ويكشف عن الحالات التي ينبغي العمل بكل منهما، فيها. إننا نقول ذلك لا لننصف الرجل، لأن إنصاف هذا الإِمام العظيم يكمن فيما ترك من آثار، وبخاصة في هذا السفر الجليل الذي شرّفنا الله بخدمته وإخراجه للناس، وهم واجدون فيه تصديقًا لما قاله ياقوت في "معجم البلدان " ١/ ٤١٥: "ومَن تأمَّل تصانيفه تأمل مُنصِف، علم أن الرجل كان بحرًا في العلوم".