لا شك أن ابن حبان قد تعب من السفر الطويل- والسفر قطعة من العذاب- وقد آن لهذا الإِمام العظيم أن يعود إلى وطنه- وفي الإنسان ميل أصيل إلى مدارج الصبا، وملاعب الطفولة- ليضع عصا الترحال، وليمسح عن جبينه المكدود غبار السفر، وشقاوة البعاد، وليريح جسمه من الضنى وألم الفرقة للأهل والأصحاب، ثم ليوزع بعد ذلك ما في جعبته من خير على طالبيه.
[ ١ / ٥٩ ]
لقد تجول في المدرسة الواسعة- العالم الِإسلامي- ليجمع خير ما فيه، وليضع خير ما جمع في مدرسة صغيرة- في بيته- ليوفر على طلاب العلم سنوات العمر ومشاق الرحلات.
قال الحاكم: "أبو حاتم ابن حبان، دارُه التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ومسكن للغرباء الذين يقيمون بها من أهل الحديث والمتفقهة، ولهم جرايات يستنفقونها، وفيها خزانة كتبه في يَدَيْ وصي سلمها إليه ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها في الصفة، من غير أن يخرجها منها، شكر الله عنايته في تصنيفها، وأحسن مثوبته على جميل نيّته في أمرها، بفضله ومنّته".
رحمك الله أيّها الإِمام العظيم، وأسكنَك فسيح جنانه، ما أشدّ غيرتك على الإسلام! وما أكبر حرصك على المسلمين! تجوب العالم الِإسلامي كله، متحملًا المصاعب والمتاعب والمشاق، لتجمع ما يتشوق كل طالب علم إلى جمعه- وليسوا عليه بقادرين، ثم تخضّه لتستخرج ما فيه من زبدة، ولا تكتفي بتيسير الوصول إليه، وإنما ترصد نفقة لكل طالب دخل مدرستك العظيمة، حتى لا يشعر بذل الحاجة، وحتى لا تدفعه عن غايته كآبة الأيام!!
لقد تعبت فيما جمعت فكنت الحريص عليه من الضياع "من غير أن يخرجها منها". وعانيت من الغربة، وشظف العيش وقساوة الحياة فكنت الأب البار لروّاد مدرستك، بيتك الكريم! فماذا فعل الطاعن الحاسد، والمفتري الحاقد؟!
كانت هذه المأثرة العظيمة خاتمة عمله، فأين ومتى كانت وفاة هذا الإمام الكريم؟
[ ١ / ٦٠ ]
لقد نقل ياقوت الحموي بسنده أن أبا حاتم توفي ليلة الجمعة لثماني ليالٍ بقين من شوال سنة أربع وخمسين وثلاث مئة (٣٥٤) للهجرة، ودفن بعد صلاة الجمعة في الصفة التي ابتناها بمدينة "بست" بقرب داره.
بينما ذكر الحافظ أبو عبد الله الغنجار في "تاريخ بخارى" أنه مات بسجستان سنة (٣٥٤) وتعقبه ياقوت بقوله: "وقبره ببست معروف يزار إلى الآن، فإن لم يكن نقل من سجستان إليها بعد الموت، وإلا فالصواب أنه مات ببست". تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته.
[ ١ / ٦١ ]