ألف هذا الكتاب في فترة زمنية متقدمة في القرن الثاني، وفي تلك الفترة نشط التيار العلمي، وكتابة الحديث، وظهرت مدونات حديثية مختلفة، في أوقات متقاربة، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلف في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الكتب والأبواب، وتشمل هذه المصنفات الأحاديث النبوية، وما يتعلق بها، واختلفت تسمية العلماء لهذه المصنفات، فبعضهم يسميها موطأ، وبعضهم يسميها جامعا، وبعضهم يسميها مسندا وغير ذلك.
والظاهر أن ابن وهب صنف موطأه في فترة سبق فيها الى هذا الاسم، فقيل: ان أول من الف كتابا سماه الموطأ هو عبد العزيز بن الماجشون، ت ١٦٤ هـ، وجعله كلاما بغير حديث، ونظر اليه مالك وقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا لبد أت بالآثار (^١).
ثم ألف مالك ت ١٧٩ هـ موطأ وبد أه بالآثار وضعنه أقوال التابعين ومسائل الفقه، وألف ابن أبي ذئب ت ١٥٨ هـ موطأ (^٢)، أكبر من موطأ مالك، ثم ألف ابن وهب موطأه وجرده من أقوال التابعين والمسائل الفقهية، فيكون أخذ اسم الموطأ من شيخه مالك.
ويظهر أنه استفاد من منهج شيخه مالك في ترتيب وتبويب الكتاب، وجعله عليكتب الفقه، ومن طريقته في تصنيف المادة العلمية، وقد يكون استفاد من شيخه ابن الماجشون حيث تتلمذ عليه وروى عنه كتبه المصنفة
_________________
(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ١٩٥.
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٢٠٣، والموطأ لمالك د / نذير حمدان، ٦٩ - ٧٠.
[ م 1 / ٨١ ]
في الأحكام (^١).
وكان شروع ابن وهب في تأليف موطأه بعد قدومه على المدينة، وطلبه العلم على شيخه مالك، فاقتدى به وصنف مثله كتاب الموطأ خصوصا أنه حفظه في الطريق قبل القدوم عليه (^٢).
قال الحافظ أبو موسى المديني: سمعت في صغري من يذكر أنه لما صنف مالك بن أنس ﵀ كتاب الموطأ صنف بعده عبدالله بن وهب المصري ﵀ كتابه الذي سماه الموطأ، فأخبر مالك به، فقال: يبقى ما كان لله تعالى.
وهكذا يظهر تأثر ابن وهب بشيخه مالك خصوصا أنه مكث معه احدى وثلاثين سنة، فقلده في الاسم والمنهج والترتيب.
أهمية الموطأ:
لا شك في أن هذا الموطأ الذي ألفه امام من أئمة المسلمين البارزين، وعالم من أكبر حفاظ أهل زمانه، نال الحظوة والمكانة العظيمة عند الأمة الاسلامية، وفي أوساط المحدثين خاصة، ولأنه جامع لعلم أربعمائة شيخ، فهو يدور عليه حديث مصر، والحجاز، وما الى تلك البلاد، وتفرد عن غير شيخ (^٣).
لذلك يعتبر كتابه هذا أصلا ومصدرا مهما متقدما، اعتمد عليه من أتى بعده من اللاحقين المتأخرين عنه، وعزوا له وجعلوا كتابه موضع عناية، فخرجوا كثيرا من أحاديثه سندا ومتنا، من ذلك: ما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى فقيه من أحاديث هذا الموطأ الكثير جدا وأحمد في مسنده وأصحاب السنة الستة والطحاوي في مشكل الآثار وسحنون في المدونة فهؤلاء أكثروا ولا سيما البيهقي كما يتضح في التخريج
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٦/ ٤٤.
(٢) اتحاف السالك برواة موطأ مالك، لأبي عبدالله محمد بن أبي بكر ناصر الدين القيسي الدمشقي، لوحة ٩٩ - ١٠٠.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال للعقيلي ٤/ ١٥٢١.
[ م 1 / ٨٢ ]
وتميز هذا الموطأ بتفرد ابن وهب ببعض الأحاديث، وأيضا بروايته عن عدد من شيوخه، فيجمع بينهم في موضع واحد، وقد يبين الاختلاف بينهم.
وقد اهتم به العلماء وجعلوه موضع عناية ودراسة.
يقول ابن بشكو ال: في مقدمة كتابه (شيوخ ابن وهب) وكانوا أيدهم الله قد وقفوا هذه المدة اهتمامهم على النظر في موطأ ابن وهب، وصرفوا عنائهم لضبط رواياته، وتقييد أسانيده وحفظ رواته، اذ كان أشرف ما ألف وأحسن ما صنف (^١).
ولقد كان طلاب الحديث اذا قدموا الى مصر حرصوا على روايته وربما أعطوا مالا لسماعه وروايته، قال سعيد بن عثمان: لما قدمنا مصر وجدنا ابن أخى ابن وهب، فجمعنا له دنانير وأعطيناها إياه فقرأ علينا موطأ عمه وجامعه (^٢).
وقد كان اتقان الموطأ ومعرفته وحفظه منقبة تذكر لمن تيسر له ذلك، قال صاحب رياض النفوس في ترجمة ابى الغصن السوسي: كان يحفظ موطأ ابن وهب عن ظهر قلب (^٣).
فهذا يدل على أهميته، وكذلك صنيع السمعاني في انتقائه بالتمثيل به مع كثرة مرويات عن شيخه أبى الحلبي، حيث يقول: سمعت منه الكثير، فمن جملة ما سمعت منه كتاب الموطأ، وساق سنده الى عبد الله بن وهب.
فتخصيصه الموطأ من جملة مروياته فيه قرينة على قدره عنده وعظيم منزلة مؤلفه، فمصنفاته موضع عناية ورعاية، لذلك حرص العلماء عليها.
قال سحنون: كادت كتب ابن وهب تفوتني، وبالله ما تشتري بكتاب منها الدنيا وما فيها، وما عميت عن مسألة قط الا وجدت فرجها في كتب ابن وهب (^٤) وذلك لما احتوته من قيمة علمية.
قال سحنون فيكتاب الصمت من جامع ابن وهب: هذا الكتاب يورثه الرجل ولده خير من أن يورثه الدنيا بجميع ما فيها (^٥).
_________________
(١) شيوخ ابن وهب لابن بشكوال، لوحة رقم ١.
(٢) جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، للحميدي: ١٤٠.
(٣) رياض النفوس، لأبي بكر المالكي ١/ ٣٧٣.
(٤) رياض النفوس ١/ ٣٧٣.
(٥) المرجع السابق ٣٧٣/ ١.
[ م 1 / ٨٣ ]
قال أبو يعلى الخليلي: نظر الشافعي في كتب ابن وهب، ونسخ أكثرها (^١).
وقال القاضي عياض ت ٥٤٤ هـ، واصفا مؤلفاته ومبينا حالها، قال: وألف تآليف كثيرة جليلة المقدار، عظيمة النفع (^٢)، ثم ساقها، ووصف الشيخ محمد مخلوف كتبه بقوله: وله تآليف حسنة عظيمة النفع (^٣).
_________________
(١) المنتخب في الإرشاد ١/ ٣٥٥.
(٢) ترتيب المدارك ١/ ٤٣٣.
(٣) شجرة النور الزكية: ٥٨.
[ م 1 / ٨٤ ]