يعتبر العصر العباسي الأول، الذي عاش فيه [عبدالله بن وهب - رحمه الله تعالى -] عصر أوج الثقافة الإسلامية، ونهضة العلم والأدب.
وسماه بعضهم بعصر الأئمة المجتهدين، وذلك لأنه ظهر فيه عدد كبير من أجلاء العلماء، الذين اعتبروا أئمة للفقه، وقادة الفكر الإسلامي، لأنهم ألقوا ودونوا وجمعوا كل العلوم.
فظهرت آثارهم في تآليفهم، وتلاميذهم، فكثر الإنتاج العلمي، وتكونت المذاهب الفقهية، والمدارس العلمية.
يقول الذهبي في حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائة: «وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير.
فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، ومعمر باليمن، وأبو حنيفة، وغيره الفقه بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، والليث، وابن لهيعة، وابن
[ م 1 / ٩ ]
المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب في مصر ..
وكثر تدوين العلم من العربية واللغة، والتاريخ، وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان سائر الأمة يتكلمون من حفظهم، أو من صحف غير مرتبة» (^١).
ولعل أكبر الأسباب في نشاط العلم والتعليم في هذا العصر، هو الاستقرار السياسي، واتساع رقعة بلاد الإسلام، وارتباط المدن والبلدان بقيادة واحدة، وكثرة القضايا، ولكل قضية حكمها، وما يجري فيها فاتسعت دائرة الفقه والرأي نحو تلك القضايا، وكما قيل: «تحدث للناس أقصية بقدر ما أحدثوا من الفجور» (^٢).
ومن أسباب تلك الحركة العلمية وازدهارها، اعتناء الخلفاء العباسيين في هذا العصر بالعلم وأهله، وتشجيعهم على الجمع والتأليف، وتكريم العلماء، وإعطاء الجوائز على تأليف الكتب.
وأدل دليل على ذلك ما قيل عن المنصور: أنه قيل له ذات يوم، هل بقي من لذات الدنيا شيئا لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث (^٣).
_________________
(١) انظر تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام، للإمام الذهبي، حوادث الوفيات: ١٤١ - ١٦٠.
(٢) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣١٣.
(٣) المرجع السابق.
[ م 1 / ١٠ ]
وكان من العلماء بالحديث والأنساب مشهورا بطلب العلم، جيد المشاركة في العلم والأدب (^١).
وكان المهدي محمد بن المنصور، هو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل، في. الرد على الزنادقة، والملحدين (^٢) ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والفقهاء، والأدباء، والشعراء، والقراء، والقضاة، والكتاب ما اجتمع على باب الرشيد (^٣).
وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص.
ولعا بلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه.
وحدته يوما أبو معاوية الضرير، بقول النبي ﷺ [احتج آدم وموسى] وعنده رجل من وجوه قريش، فقال القرشي: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث النبي ﷺ (^٤) وكان للرحلة في طلب العلم أثر كبير في نشر العلم، ولا سيما رحلة الحج، التي يجتمع فيها أكبر عدد من الناس، ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ. يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ (^٥) الآية ..
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٥١، ٢٤١.
(٢) المرجع نفسه: ٢٥٢.
(٣) انظر: الفخر في الآداب السلطانية لابن طباطبا ص ١٩٥.
(٤) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٥) سورة الحج، الآية ٢٨.
[ م 1 / ١١ ]
ومن كبرى المنافع لقاء العلماء لبحث صعاب العلوم، والمسائل، ما جد منها وما خفي على الناس، مما لا يقدر على فهمه، وتحقيقه، الا جهابذة العلماء الأذكياء.
ومما هو مشجع للحركة العلمية في هذا العصر، وجود مدارس العلم في المدن والأمصار، وأشهر هذه المدارس: مدرسة المدينة المنورة، حيث إنها دار نزول الوحي، وعاصمة الإسلام الأولى، ومنطلق الرسالة، وفيها كملت الرسالة، وتلقى أهلها الحديث من رسول الله ﷺ، ومن صحابته، وتابعيهم، وهكذا .. وأشهر علمائها في هذا العصر، مالك بن أنس ﵀.
والتي تليها مدرسة العراق، وهي المعروفة بمدرسة الرأي، والقياس، وحامل رايتها، هو الامام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، وأصحابه.
أما مدرسة مصر، فليس لها ذكر يساوي أو يقارب هاتين المدرستين، مع أن بها في ذلك العصر الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وبكير بن الأشج، وهؤلاء لا يقلون عن درجة أولئك في العلم والحفظ، وعلى رأسهم ابن وهب.
قال أبو إسحاق الشيرازي: (كان ابن وهب تقرأ عليه مسائل الليث، فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكا يجيب، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث، والله الذي لا اله الاهو: ما رأينا أحدا قط أفقه من الليث.
وقال الشافعي: الليث أفقه من مالك، الا أن أصحابه لم يقوموا به.
وقال ابن وهب: كان ربيعة يقول: لا يزال بذلك المغرب فقه، ما دام فيه
[ م 1 / ١٢ ]
ذلك القصير، يعني: عمرو بن الحارث (^١).
وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث، ما احتجنا معه الى مالك، ولا الى غيره (^٢).
وقد كان عبد الله بن وهب، أحد أئمة هذا العصر، حيث تلقى العلم في بداية طلبه على علماء بلده، بمدينة الفسطاط بمصر، وكانت هذه المدينة من أكبر صروح العلم، وفيها أكبر المدارس والمراكز العلمية، وقد استمدت هذه المدرسة علمها ممن نوطنها من أصحاب النبي ﷺ، وعلى رأسهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن جاء بعده من الصحابة، مثل:
الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، وشمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، كما كان معه ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، أحد الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ، والذي كان يدون الحديث بين يدي النبي ﷺ، فقد مكث في مصر الى ما بعد وفاة والده، وعنه رويكثير من محدثيها.
وممن نزل مصر من الصحابة رضوان الله عليهم: عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد أبو سرح، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سعد الخير، ومعاذ بن أنس الجهني، ومعاوية بن خديج، وزياد بن الحارث الصدائي، وغيرهم (^٣).
وتخرج على أيدي هؤلاء خلق كثير من أهل مصر، مثل يزيد بن أبي حبيب محدث مصر، وعمرو بن الحارث، وخير بن نعيم الحضرمي، وعبد الله بن سليمان الطويل، وعبد الرحمن بن شريح الغافقي، وحيوة بن
_________________
(١) انظر طبقات الفقهاء. للشيرازي ٧٨
(٢) أعلام الموقعين. لابن القيم: ١/ ٢٧.
(٣) انظر معرفة علوم الحديث، ص ١٩٣. وانظر: فتوح مصر لابن عبدالحكم: ٢٤٨.
[ م 1 / ١٣ ]
شريح الغافقي، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم (^١).
ومن استوطن فيها من التابعين، وتابعيهم، فكان منهم المحدثون، والفقهاء، وغيرهم من القضاة، والقراء، والأدباء، والشعراء.
ولما أخذ ابن وهب علم مشايخ بلده، وكانت رغبته في الزيادة من العلم شديدة، رحل إلى المدينة المنورة، موطن النبي ﷺ، وصحابته وخلفائه، وتابعيهم، من أبناء المهاجرين والأنصار، وصحب الامام مالكا إمام دار الهجرة، فكان من أكبر أصحاب مالك من المصريين.
ونقل ابن وهب هو وابن القاسم علم الامام مالك الى مصر، حتى جاء الامام الشافعي، وسكن مصر، واتخذها مقرّا لمدرسته (^٢) ومن المعلوم أن قدوم الشافعي على مصر سنة ١٩٨ هـ ومات بها سنة ٢٠٤ هـ وسنة قدومه الى مصر، هي السنة التي بعد وفاة ابن وهب.
وتوفي ابن القاسم سنة ١٩١ هـ، قبل موت ابن وهب بست سنوات، وعلى هذا فقد قام ابن وهب بأمر هذه المدرسة، بعد موت ابن القاسم، وقبل مجيء الشافعي، فأصحاب الشافعي، اذا هم أصحاب ابن وهب، مثل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، الذي يعتبر هو الراوي الأول لموطأ ابن وهب، وكذلك بحر بن نصر.
قال أبو يعلى بن خليل الخليلي: وآخر من روى عن ابن وهب، من الثقات، يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
وقال أيضا: نظر الشافعي رحمه الله تعالى في كتب ابن وهب، ونسخ
_________________
(١) انظر معرفة علوم الحديث: ٢٤١.
(٢) انظر المنتخب في الإرشاد ١/ ٢٥٥.
[ م 1 / ١٤ ]
أكثرها (^١).
وعلى هذا فتعتبر مصر من معاقل العلم، في حياة ابن وهب، حيث جمعت علم المدينة، والعراق، وغيرهما ..
فهذه نبذة قصيرة عن الحركة العلمية في مصر، موطن الامام عبد الله. بن وهب، رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته.
***
_________________
(١) انظر: المنتخب في الإرشاد: ١/ ٢٥٥.
[ م 1 / ١٥ ]