كانت الرحلة في طلب الحديث قائمة في عهد الصحابة ﵃، فقد ارتحل بعض الصحابة لطلب حديث واحد، فيقطعون المسافة الطويلة لهذا الغرض النبيل، لأن الصحابة تفرقوا في الأمصار.
ومما يروى في رحلة الصحابة، ما حدث به عطاء بن أبي رباح، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري الى عقبة بن عامر، ليسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره، وغير عقبة.
والغرض من ذلك، التأكيد في سماع هذا الحديث، فلما قدم أبو أيوب الى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري، وهو أمير مصر، فأخبره، فعجل عليه، فخرج اليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله .. الخ (^١) وهكذا صنع جابر بن عبد الله، سافر شهرا من المدينة الى الشام (^٢) وكثرة الرحلات عن التابعين لا تحصى، من ذلك ما يروى عن أبي العالية: كنا نسمع الرواية من أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة، فلم نرض حتى نركب الى المدينة، فنسمعها من أفواههم (^٣).
وهكذا عن الشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبي قلابة، ومسروقا ..
_________________
(١) انظر معرفة علوم الحديث، للحاكم، ٨. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر ٩٣ - ٩٤.
(٢) انظر المرجع السابق ٩٣.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٦٨.
[ م 1 / ٢٤ ]
وأخبار العلماء ورحلاتهم كثيرة، يضيق المقام بذكرها.
ويقول الخطيب البغدادي: المقصود من الرحلة في الحديث أمران ان:
أحدهما تحصيل علو الاسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة منهم، فاذا كان الامران موجودان في بلد الطالب ومعدومان في غيره، فلا فائدة في الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أولى (^١).