كان رحمه الله تعالى، في حياته الخاصة على أحسن ما يكون عليه العلماء، ورجال الفضل، والدين، فكان عفيفا، كريما، غني النفس، متباعدا عن ذوي الجاه، والسلطان، عابدا، ورعا، زاهدا، خائفا من الله تعالى، خاشعا، متواضعا.
يقول تلميذه سحنون بن سعيد: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثا: ثلثا في الرباط، وثلثا في الحج، وثلثا يعلم الناس بمصر.
وذكر أنه حج ستا وثلاثين حجة (^١) أما عن الرباط، فيقول ابن أخيه:
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: كنت معه بالاسكندرية، مرابطا، فاجتمع الناس عليه يسألونه نشر العلم، فقال لي: هذا بلد عبادة، وقال: ما أمهد لنفسي فيه مع شغل الناس، فترك الجلوس لهم في الأوقات التي كان يجلس، وأقبل على العبادة والحراسة، فبعد يومين أتاه انسان، فأخبره أنه رأى نفسه في مسجد عظيم، نحو المسجد الحرام، والنبي ﷺ فيه، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وأنت بين يديه، وفي المسجد قناديل تزهر أحسن شيء، وأشدها ضياء، اذ خفت منها قنديل فانطفأ، فقال لك رسول الله ﷺ قم يا عبد الله أوقده، فأوقدته، ثم آخر كذلك، ثم أقمت أياما فرأيت القناديل كلها همت أن تطفأ، فقال أبو بكر: يا رسول الله:
أما ترى هذه القناديل؟ فقال ﷺ هذا عمل عبد الله، يريد يطفئها، فبكى ابن وهب، فقال له الرجل: جئت لأبشرك، ولو علمت أنه يغمك لم آتك، فقال: خير، هذه الرؤيا وعظت بها، ظننت أن العبادة أفضل من نشر العلم،
_________________
(١) ترتيب المدارك ١/ ٤٣١.
[ م 1 / ٦٤ ]
فترككثيرا من عمله للعلم، وحبس نفسه لهم يقرأون عليه ويسألونه (^١) وقد راض نفسه على حب العلم، والتفرغ له، طلبا وسماعا، وتسجيلا وإعطاء، ورحلة في سبيله، حتى صار كبير أصحاب مالك، وحتى نال أعظم شهادة من أكبر عالم في زمنه، تلك الشهادة هي لقب مالك ﵀، امام د الهجرة له فتارة يصفه بالامام، وتارة بالمفتي، وتارة بالعالم، وتارة بالفقيه، ولم يحظ أحد من تلاميذ مالك، مع جلالتهم وكثرتهم بهذا اللقب من مالك سوى ابن وهب ..
قال أبو عمر ابن عبد البر: يقولون: ان مالكا رحمه الله تعالى لم يكتب الى أحد كتابا يعنونه بالفقيه الا الى ابن وهب، وكان رجلا صالحا، خائفا لله (^٢) وقال ابن وضاح: وكان يكتب مالك اليه عبد الله بن وهب فقيه مصر.
قال الشيرازي: كان مالك يكتب اليه الى أبي محمد المفتي (^٣) وحكى مثله أبو الطاهر، زاد: ولم يكن يفعل هذا مع غيره، وقال مرة: ابن وهب امام، وقال أخري: ابن وهب عالم، ونظر اليه مرة فقال: أي فتى لولا الاكثار (^٤)