كان الامام ابن وهب من علماء الحديث المتقدمين في هذا الفن، ومن الذين ساهموا في وضع مصطلح الحديث، فدعموا أسسه، وركائزه، فبصماته واضحة جلية.
فهو أول من أحدث الفرق بين: [حدثنا، وأخبرنا]، في بلده مصر.
فتحمله للحديث يأدية بصيغة الاداء المناسبة للتحمل، فيفرق بين سماعه مع جماعة، وسماعه منفردا بصيغة الأداء المناسبة ..
كذلك سماعه مع جماعة وسماعه منفردا بصيغة الاداء المناسبة، فما كان مع جماعة فيقول فيه: حدثنا، وما كان وحده فيقول: حدثني.
وكذلك عرضه للحديث، فيفرق بين قراءة غيره وهو حاضر، وقراءته هو على الشيخ، فيقول: فيما قريء وهو حاضر، أخبرنا، وها قر أه هو على الشيخ، أخبرني.
لذلك جاءت روايته للحديث متقنة، مجودة.
قال أحمد بن حنبل، عبدالله بن وهب، صحيح الحديث، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته (^١)، وقال ابن وهب: ما قلت حدثنا، فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: حدثني فهو ما سمعت وحدي، وما قلت: أخبرنا فهو ما قريء على العالم، وأنا شاهد،
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر ص: ٤٨، تاريخ الإسلام للذهبي، حوادث ١٩١ ٢٠٠ - هـ، ٢٦٧، الجرح والتعديل، الرازي، ٥/ ١٨٩
[ م 1 / ٥٨ ]
وما قلت: أخبرني فهو ما قر أت على العالم، يعني: أنا وحدي (^١).
قال ابن الصلاح: قلت: وقد قيل ان أول من أحدث هذا الفرق بين هذين اللفظين (يعني حدثنا وأخبرنا) ابن وهب في مصر.
وقال الخطيب البغدادي: ان أول من فعل هذه التفرقة ابن جريج، والاوزاعي، الا ان يحمل قول ابن الصلاح ان اول من فعل هذه التفرقة ابن وهب في مصر خاصة (^٢)، وقال ابن رجب: وأما تفريق ابن وهب بين أن يكون سماعه أو عرضه وحده، او مع غيره فيقول: اذا كان وحده حدثني، او اخبرني يعني شيخه، واذا كان مع غيره يقول: حدثنا، او اخبرنا، فهذا محمول على الاستحباب، دون الوجوب (^٣).
وذكر البيهقي في المدخل له قول ابن وهب الذي تقدم وقال: هذا تفصيل حسن، عليه ادركنا مشائخنا (^٤).
وهذه التفرقة بين السماع والعرض، تدل على قوة ابن وهب في الضبط، والاتقان، والتحري في رواية الحديث وورعه من أن يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولا غرابة في ذلك، لأنه روى حديث رسول الله
_________________
(١) الالماع للقاضي عياض ١٢٧، وعلل الترمذي ١/ ٥٠٠.
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ٣٠٢. وعلوم الحديث لابن الصلاح ١٣٩
(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ١/ ٥١٨. الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث لابن كعير ١٠٧.
(٤) علل الترمذى ١ ض / ٥٣٠.
[ م 1 / ٥٩ ]
ﷺ المحذر من الكذب عليه.
قال: أخبرني مسلمة بن علي عن زيد بن واقد عن حزام بن حكيم، قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حدثوا عني كما سمعتم ولا حرج الا من افترى علي كذبا متعمدا بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار (^١) وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه الإرشاد: ذاكرت بعض الحفاظ، فقلت: لم لم يدخل البخاري حماد بن سلمة في الصحيح؟ قال:
لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت:
أليس ابن وهب اتفقوا عليه؟ وهو يجمع بين أسانيده فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث والأوزاعي، ويجمع بين جماعة؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ (^٢) ومعنى هذا، أن الرجل اذا جمع بين حديث جماعة، أو ساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع الا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كابن وهب مثلا.
ومع ما ذكر من تشدد ابن وهب في أخذ الحديث وأدائه، وتفريقه بين السماع والعرض، فكان ممن تسامحوا أو تساهلوا في السماع والأخذ، وجعلوا المناولة المقرونة بالاجازة حالة محل السماع.
قال ابن وهب: كنت عند مالك بن أنس، فجاءه رجل يحمل الموطأ في كسائه فقال له: يا أبا عبد الله، هذا موطؤك، قد كتبته وقابلته، فأجزه لي، فقال: قد فعلت، قال: كيف أقول: حدثنا مالك، أو أخبرنا مالك، قال: قل أيهما شئت (^٣) وروى الخطيب (^٤) بسنده عن ابن وهب، وابن القاسم قالا:
سئل مالك عن الرجل يقول له العالم: هذا كتابي، فاحمله عني، وحدث بما
_________________
(١) الالماع للقاضي عياض ١١ - ١٢، وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٦.
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب: ٣٥٩.
(٣) الالماع، للقاضي عياض ٩٠.
(٤) الكفاية للخطيب البغدادي ٣١٦.
[ م 1 / ٦٠ ]
فيه، قال: لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبني ناس يقولون ذلك، ثم عقب الخطيب على ذلك بقوله:
قد ذكر عن مالك، أنه كان يحكم بصحة الرواية لأحاديث الاجازة.
فأما الذي حكيناه عنه، فانما قاله على وجه الكراهة، أن يجيز العلم لمن ليس أهله، ولا خدمه، ولا عاني التعب فيه.
وذكر الخطيب أيضا بسنده الى ابن القاسم قال: سألت مالك بن أنس عن الاجازة فقال: لا أرى ذلك، وانما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير.
وقال ابن وهب: كان يحيى بن سعيد يكتب الى الليث بن سعد، فيقول الليث: حدثني يحيى بن سعيد، وكان هشام يكتب اليه، فتقول: حدثني هشام (^١).
وأخرج الرامهرمزي بسنده الى أبي زيد بن أبي القمر، قال: اجتمع ابن وهب وابن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، أنى اذا أخذت الكتاب من المحدث أن أقول فيه أخبرني (^٢) وقال أحمد في رواية حنبل: المناولة لا أدري ما هي، حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب؟ قال:
وأهل مصر يذهبون الى هذا، وأنا لا يعجبني.
قال أبو بكر الخطيب: أراه أراد أن أهل مصر يذهبون الى المناولة من غير أن يعلم الراوي هل ما في الجزء حديثه أم لا؟ وهذا الذي ذكر الخطيب صحيح.
وقد اعتمد أحمد في ذلك حكاية حكاها له ابن معين، عن ابن وهب، أنه طلب من سفيان بن عيينة أن يجيز له رواية جزء أتاه به في يده، فأنكر ذلك ابن معين، وقال لابن وهب: هذا والريح بمنزلة، ادفع اليه الجزء حتى ينظر في حديثه (^٣) وذكر أحد عن بعض أصحابه قال: جاء عبد الله بن وهب المصري الى سفيان بن عيينة فقال له: ابن أختي، أو ابن أخي
_________________
(١) شرح علل الترمذي ١٦٨.
(٢) انظر المحدث الفاضل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ١٤١.
(٣) انظر شرع علل الترمذي ١٦٦ - ١٦٧.
[ م 1 / ٦١ ]
الذي عرض عليك أمس الأحاديث أرويهها أنا عنك، قال: بلغني أنه لم يكن يدخل في تصنيفه من تلك شيئا (^١)، وقال أحمد: سمعت الحميدي يقول:
كنت أرى ابن وهب يجيء الى سفيان بن عيينة، وكان سفيان يسكن في دار كراء، وله درجة طويلة، فكنت أرى ابن وهب يقف عند الدرجة فيقول لسفيان: يا ابا محمد: هذا ما سمع ابن أخي منك، فاجزه لي، فيقول سفيان: نعم (^٢)، وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن وهب بمكة رأيته رجلا خفيف اللحية، قال أبي: فذكرت انه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم، فتركته قال أبي: وبلغني انه كان لا يدخل في مصنفه من ذلك العرض شيئا، قال أبي: ثم كتبت بعد عن رجل عنه .. وقال عبد الله بن الدورقي: سمعت ابن معين يقول: ابن وهب ليس بذاك في ابن جريج، كان يستصغره (^٣)، يعني: صغير السن.
وقال ابن سعد: كان ابن وهب كثير العلم، ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس (^٤)، وقال ابن معين: ابن وهب ثقة، الا انه روى عن الضعفاء (^٥)، هذا ما وقفت عليه من تساهله في كتب التراجم. وقد بين العلماء أن هذا النوع من التساهل لا يؤثر في اتقان ابن وهب وحفظه ولا ينقص من قدره وجلالته ..
يقول. أحمد بن حنبل: عبد الله بن وهب صحيح الحديث، يفصل السماع عن العرض، ما أصح حديثه وأثبته، فقيل له: أليس كان سيء الأخذ، قال:
قد كان سيء الأخذ ولكن اذا نظرت في حديثه وما روى عن مشائخه وجدته صحيحا، وقال أحمد أيضا: بلغني أنه لم يدخل في تصنيفه من ذلك العرض شيئا (^٦)، يعني: المناولة، ومن غير أن يعلم الراوي، هل ما في الجزء حديثه أم لا؟، وهذا يدل على أن الروايات التي يأخذها بطريق التساهل لا يضيفها الى مرويات التي يرويها كما بين الامام احمد، لذلك نوه العلماء
_________________
(١) كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل ١/ ٣٦٠.
(٢) كتاب المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان ٢/ ١٨٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٣١.
(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٥١٨.
(٥) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٥.
(٦) كتاب العلل ومعرفة الرجال، لأحمد ١/ ٣٦٠، ٢/ ١٧٢.
[ م 1 / ٦٢ ]
باتقانه، وكان يجيز الاجازة، وقد اجاز لمعين في رواية معين، قال أبو بكر بن حماد: لما فرغت من قراءة كتبي، كلها على عمرو، وهي كتب ابن وهب، قلت يا أبا محمد، كيف كان سماعك من ابن وهب؟، قال لي: يا بني، اقال لك أحد فينا شيء؟ ثم قال لي: والله ما أحب أن يعذب أحد من أمة محمد ﷺ بسببي في النار، أبطل الله سعيه وصومه وصلاته وسائر عمله، ان كنت أخذتها من ابن وهب، الا قراءه، قرأت عليه أنا، وقرأ علي ولو كانت اجازة لقلت انها اجازة، وقد حضرت ابن وهب واتاه رجل بكتبه في تلّيس (¬*) وقيل له: يا أبا محمد، هذه كتبك، فقال له ابن وهب:
صححت وقابلت؟ فقال: نعم، فقال له: اذهب فحدث بها فقد أجزتها لك فاني حضرت مالكا وقد فعل مثل ذلك (^١).
وقال الذهبي مقوما حال ابن وهب: هذا الفعل مذهب طائفة وإن الرواية به سائغة، وبه يقول الزهري: وابن عيينة (^٢)، وقال الذهبي: وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذ الحديث، وانه كان يترخص في الاخذ، وسواء ترخص ورأى ان ذلك سائغا او تشدد فمن يروي مائة الف حديث ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه المنتهى في الاتقان (^٣) ويكفيه قول الامامين أبي زرعة والنسائي وما من يروي مائة الف حديث ولا يستلحق عليه في شيء الا وهو ثبت حافظ، والله لو غلط في المائة الف في مائتي حديث لما أثر ذلك في ثقته (٤).
وقد عرف ابن وهب بكثرة رواية الحديث مما جعل الامر يختلط عليه في بعضها، لولا ان مالكا في المدينة، والليث في مصر كانا يبينان له الصواب من الرواية والمتن، وهو يقر ذلك بنفسه في قوله: لولا ان الله انقذني بمالك والليث لضللت، فقيل له: كيف؟ فقال: اكثرت من الحديث فحيرني، فكنت اعرض ذلك على مالك والليث فيقولان: خذا هذا ودع هذا، وقال عنه احمد بن صالح: كان ابن وهب يتساهل في المشائخ ولو أخذ مأخذ مالك لكان خيرا له (^٥).
_________________
(١) رياض النفوس لابي عبد الله المالكي ١/ ٣٨٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٣١. وميزان الاعتدال ٣/ ٥٢١.
(٣) الديباج المذهب ١٣٣.
(٤) ترتيب المدارك ١/ ٤٢٥. (¬*) تلس: التليسة: وعاء يسوى من الخوص شبه قفة لسان العرب ٦/ ٣٣.
[ م 1 / ٦٣ ]