لا يخفى أن الامام ابن وهب قضى حياته في طلب العلم، فقد طلبه في سن مبكرة من حياته، وتفاعل معه أخذا وعطاءا، راض نفسه على ذلك، وتفرغ له أخذه عن علماء بلده، ثم سافر من أجله، وارتحل محبة له، وتغرب من أجله حتى شهد له أكبر مشائخه، وأقر انه، وتلاميذه بذلك، واعترفوا له بسعة العلم، والحفظ، والاتقان، والورع، والزهد، فهو اذو شخصية شمولية لم يقتصر على علم الحديث، فهو عالم بالفقه، والتفسير، وقد كثر الثناء عليه من شيوخه وأقرانه، وتلاميذه.
قال ابن عبد البر: يقولون أن مالكا رحمه الله تعالى لم يكتب الى أحد كتابا يعنونه بالفقيه الا لابن وهب (^١).
ويقول أبو اسحاق الشيرازي: وكان مالك يكتب اليه: الى أبي محمد المفتي .. وقال أيضا: عبد الله بن وهب امام (^٢).
وقال القاضي عياض: قال ابن وضاح: كان مالك يكتب اليه: الى عبد الله بن وهب، فقيه مصر، وقال مرة: ابن وهب عالم، ونظر اليه يوما فقال: أي فتى لولا الاكثار، وقال وقد قام عنه: كذا يكون أهل العلم لما رأى من تخشعه (^٣).
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: أنت ابن وهب المصري؟ فقال:
نعم، قال له: ما زلت أعرف مكانك من الإسلام، منذ بلغني عنك قول يحيى بن معين: ابن وهب ثقة.
وقال أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح، فقيه، كثير العلم.
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر: ٤٩.
(٢) طبقات الفقهاء، للشيرازي: ١٥٠.
(٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣.
[ م 1 / ٥٠ ]
وقال أيضا: ابن وهب صحيح الحديث عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه، وأعرفه بالأسامي، الا أن الذين حملوا عنه، لم يضبطوا الا هارون بن معروف (^١) وقال يوسف بن عدي: ما أدركته من الناس فقيها غير محدث، ومحدثا غير فقيه، خلا عبد الله بن وهب، فاني رأيته فقيها محدثا زاهدا (^٢).
وقال أبو مصعب: كنا اذا شككنا في شيء من رأي مالك بعد موته، كتب ابن دينار، والمغيرة، وكبار أصحابه الى ابن وهب، فيأتينا جوابه.
وقال هارون القاضي الزهري (كان أصحاب مالك في المدينة يختلفون في قول مالك بعد موته، فينتظرون قدوم ابن وهب، فيصدرون عن رأيه) وكان ابن أبي حازم يعرض له على ابن وهب رأي مالك (^٣) وقال أحمد بن خالد: كان ابن وهب من الفضلاء الكبار، وممن يضبط ويحسن.
وكان ابن القاسم يقول: حدثني أوثق أصحابي، يريد ابن وهب، وقال: لو مات ابن عيينة، لضربت الى ابن وهب أكباد الابل، ما دون أحد العلم تدوينه (^٤) وقال الميموني عن أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح (^٥) وقال الحارث بن مسكين: شهدت ابن عيينة يقول: هذا عبد الله بن وهب، شيخ أهل مصر.
وقال أبو حاتم ابن حبان: جمع ابن وهب وصنف، وهو قد حفظ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، ويحيي يجمع ما رووا من المسانيد والمقاطيع، وكان من العباد (^٦) وقال الحارث بن مسكين جمع ابن وهب الفقه،
_________________
(١) المرجع السابق ٤٢٣.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٣.
(٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٣.
(٤) المرجع نفسه: ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٥) المرجع نفسه ٤٢٥.
(٦) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٢.
[ م 1 / ٥١ ]
والرواية. والعباد، ورزق من العلماء محبة وحظوة، من مالك وغيره، وما أتيته قط الا وأنا أفيد منه خيرا وكان يسمى ديوانالعلم.
وقال أيضا: أخبرني من سمع الليث يقول لابن وهب: ان كنت أجد لبني شيئا فاني أجد لك مثله (^١) وعن علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت أبا مصعب أحمد بن بكر يعظم ابن وهب، وسمع أبو مصعب مسائل مالك من ابن وهب، ويقول: مسائل ابن وهب عن مالك صحيحة (^٢) وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن وهب أحب اليك، أو عبدالله بن نافع؟ قال: ابن وهب، قلت: ما تقول في ابن وهب؟ قال: صالح الحديث، صدوق، هو أحب الى من الوليد بن مسلم، وأصح حديثا منه بكثير (^٣) وقال أصبغ: ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار.
قال أبو زيد ابن أبي الغمر: سمعت ابن وهب يقول: حججت أربعا وعشرين حجة ألقى فيها مالكا.
قال أبو زيد: وكنا نسمى ابن وهب ديو ان العلم.
وقال النسائي: ابن وهب ثقة.
وقال ابن معين: هو ثقة الا أنه روى عن الضعفاء، وسئل: لم تركت ابن القاسم؟ ورويت عن ابن وهب؟ قال: كان ابن القاسم فاضلا، ولكن ابن وهب صاحب آثار، وخرج عنه البخاري ومسلم (^٤) وقال يونس: ما رأيت أبا الحسن الاسكندراني قال لابن وهب: الا يا عم، ولقد كانت تلك المشيخة اذا رأت ابن وهب خضعت له.
وقال أبو زرعة: نظرت من حديث ابن وهب نحو ثمانين ألف حديث، فما رأيت له حديثا لا أصل له، وهو ثقة، وهو افقه من ابن القاسم، وورد عنه في رواية أخرى ٣٠ ألف حديث، يجمع بينهما على تعدد القصة، وأنه حدث بذلك أكثر من مرة على حسب إطلاعه على مرويات ابن وهب حسب الفترة الزمنية لتاريخ الاطلاع.
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) الجرح والتعديل ٥/ ١٩٠.
(٣) المرجع السابق ٥/ ١٩٠.
(٤) ترتيب المدارك للقاضى عياض ٤٢٥/ ١.
[ م 1 / ٥٢ ]
وقال محمد بن عبد الحكم: هو أثبت الناس في مالك (^١) وسأل رجل علي بن معبد عن مسألة، وكان بالاسكندرية مرابطا، قال: ما كنت. لأجيب بموضع فيه ابن وهب، فاذهب فاسأله.
وقال محمد بن الحسين: كان ابن وهب في عصره محدث بلده، وكان عبدا صالحا.
وقال محمد بن عبد الحكم: وابن بكير: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، الا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا.
وقال ابن وضاح: كان علم ابن وهب المناسك، وعلم ابن القاسم البيوع (^٢) وقال العجلي: مصري، ثقة، صاحب سنة، رجل صالح، صاحب آثار.
وقال الساجي: صدوق، ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع، لأن مذهب أهل بلده أن الاجازة عندهم جائزة، ويقول فيها.
وقال الساجي أيضا: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت ابن وهب قيل له: ان فلانا حدث عنك عن النبي ﷺ قال: (لا تكرهوا الفتن، فان فيها حصاد المنافقين)، فقال ابن وهب: أعماه الله، ان كان كاذبا، فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن أن الرجل عمي (^٣).
وقال الخليلى: ثقة متفق عليه وموطؤه يزيد عليكل من روى عن مالك (^٤) وقال عبد الله بن عدي الجرجاني في كامله: وعبد الله بن وهب، من أجلة الناس، ومن ثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر، وما والى تلك البلاد، يدور على رواية ابن وهب، وجمع لهم مسندهم، ومقطوعهم، وقد تفرد عن غير شيخ عنهم، مثل عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، ومعاوية بن صالح، وسليمان بن بلال، وغيرهم من ثقات الناس، ومن ضعفائهم، ومن يكون له
_________________
(١) انظر الجرح والتعديل ٢/ ١٩٠، والانتقاء: ٤٩.
(٢) ترتيب المدارك: ١/ ٤٢٥.
(٣) انظر كشف الخفاء للعجلوني ٢/ ٥٠٠ ٥٠١ - فذكر الحديث والقصة وقال: وسئل ابن وهب عن الحديث فتال: باطل
(٤) انظر تهذيب استتيب ٦/ ٧٣ - ٧٤.
[ م 1 / ٥٣ ]
من الأصناف مثل ما ذكرته استغنى أن يذكر له شيء ولا أعلم له حديثا منكرا اذا حدث عن ثقة من الثقات (^١) رقال الذهبي: عبد الله بن وهب: الامام، شيخ الإسلام، لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم، ومن كنوز العمل (^٢) وقال الذهبي: عبد الله بن وهب المصري، أبو محمد، أحد الأثبات، والأئمة الاعلام، وصاحب التصانيف، تناكد ابن عدي بايراده في الكامل (^٣) وقال ابن حجر: عبد الله بن وهب، أبو محمد المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد.
وقال الذهبى: ذكر ابن وهب، وابن القاسم، عند مالك، فقال: ابن القاسم فقيه، وابن وهب عالم، (^٤) وسئل ابن معين: لم تركت ابن القاسم، ورويت عن ابن وهب؟ قال: كان ابن القاسم فاضلا، ولكن ابن وهب صاحب آثار، وخرج عنه البخاري ومسلم (^٥)
أما ابن القاسم فلم يخرج له مسلم حديثا واحدا، وأما البخاري فقد أخرج له حديثا واحدا في سورة يوسف، عند قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ (^٦) والحديث: هاهو: قال البخاري: حدثنا سعيد بن تليد، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شياب، عن سعيد بن المسيب، وابن سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحق بابراهيم، اذ قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾» ٧ وقال ابن حجر
_________________
(١) الكامل في الضعفاء لابن عدي: ٤/ ١٥٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٥٢١.
(٤) تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٥) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٥.
(٦) سورة يوسف الآية ٥٠.
[ م 1 / ٥٤ ]
عند شرحه لهذا الحديث، عبدالرحمن بن القاسم، وهو العتقي، بضم المهملة، وفتح المثناة، بعدها قاف، المصري، الفقيه، المشهور، صاحب مالك، وراوي المدونة من علم مالك، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع (^١)، وفي المقابل، كانت رواية ابن وهب في الصحيحين:
٦٦٤ - حديثا، أخرج البخاري منها ١٣٥ حديثا، والباقي أخرجه مسلم.
وكان ﵀ وقافا مع الدليل، ولهذا قد خالف أصحابه في بعض المسائل، ولا غرابة في ذلك، فانه امام مجتهد، لا يقلد أحدا فيما فيه دليل من كتاب أو سنة، ولذا قال الذهبي: كان ابن وهب ثقة، حجة، حافظا، لا يقلد أحدا (^٢).
. وهذه أمثلة ونماذج من المسائل التي خالف فيها ابن وهب زملائه المصريين من المالكيين:
١ - ذهب ابن وهب الى أن أبوال الحيوانات كلها طاهرة، الا الآدمى، بينما يرى أصحابه طهارة بول مباح الأكل فقط، الا المتغذي بنجس (^٣).
٢ - ذهب ابن وهب على جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر معا، سواء في ذلك المقيم والمسافر، بينما يقول ابن القاسم: انه لا يمسح المقيم، وانما يجوز المسح للمسافر فقط، وروى عنه أيضا أنه لا يمسح الحاضرون، ولا المسافرون (^٤).
٣ - ذهب ابن وهب الى وجوب حكاية الأذان لسامعه، لأن الأمر يقتضيه بحقيقته في حديث: [قولوا مثل ما يقول المؤذن]، والراجح عند المالكيين ندب الحكاية (^٥).
٤ - ذهب ابن وهب الى أن في القرآن خمس عشرة سجدة، وهي في مواضع السجود في القرآن، ويرى السجود فيها كلها، بينما يرجح المالكية أن السجود لا يكون الا في احدى عشرة منها، فلم يثبتوا السجدة الثانية في الحج، ولم يعدوا سجدات المفصل الثلاث التي في
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٢٩٥ ..
(٢) انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٥.
(٣) انظر فتح الباري ١/ ٢٢٣. والدسوقي ١/ ٥١.
(٤) انظر شرح الزرقاني ١/ ٧٦، والدسوقي، ١/ ١٤١، وفتح الباري ١/ ٢٤٤.
(٥) انظر الشوكاني ٢/ ٥٢، وفتح الباري ٢/ ٧٣، والدسوقي ١/ ١٩٧
[ م 1 / ٥٥ ]
النجم، والانشقاق، والقلم (^١).
٥ - ويرى ابن وهب جواز الصلاة على القبر بعد دفن الميت، لمن فاتته الصلاة على الجنازة، بينما يرى المالكيون عدم مشروعية الصلاة على القبر (^٢).
هذه نماذج تدلنا على سعة علم ابن وهب، ومدى تمسكه بالدليل، ولو خالف أهل مذهبه، والله الموفق.