هناك طرقًا وأساليب أرشد اليها العلماء الذين صنفوا في البحث العلمي وتحقيق المخطوطات ليسترشد بها الباحث في توثيق نسبة المخطوط الى مؤلفه، وقد حاولت قدر المستطاع استقصاء هذه الطرق لتوثيق نسبة هذا المخطوط بجمع قرائن وأدلة تدل على نسبته لمؤلفه، وصحة عنو انه، وقد رتبتها على حسب الأهمية، وهي كما يلي:
أ - أدلة تتعلق بالأسانيد الواردة في المخطوطة وملاحظة طبقة الشيوخ والتلاميذ وهي كما يلي:
١ - ما ورد في كتاب التحبير في المعجم الكبير للسمعاني ت ٥٦٢ هـ في ترجمة شيخه أبو الحسن الحلبي، قال: سمعت منه الكثير، فمن جملة ما سمعت منه كتاب الموطأ لأبي عبدالله بن وهب المصري، بروايته عن أبي الفتح ابن الحلبي، عن أبي الحسن بن الطيوري (^١)، عن القاضي أبي محمد الصابوني (^٢)، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن عبدالله بن وهب (^٣).
٢ - كتاب شيوخ ابن وهب لابن بشكوال ت ٥٧٨ هـ، أمر بجمعه وتأليفه الامام الخليفة سليمان بن عبد الله، وورد فيه ما يلي: وكانوا أيدهم الله قد وقفوا على هذه المدة اهتمامهم على النظر في موطأ ابن وهب وصرفوا عناءهم لضبط رواياته وتقييد أسانيده، وحفظ رواته، اذ كان هذا الكتاب أشرف ما ألف وأحسن ما صنف، واذ كادت معالمه في هذا الأوان أن تدرس أنواره لقلة المعتنيين به (^٤).
_________________
(١) هو المبارك بن عبدالجبار بن أحمد بن القاسم الأزدي الصيرفي المعروف بابن الطيوري ت ٥٠٠ هـ لسان الميزان ٥/ ٩، والأعلام للزركلي ٥/ ٢٧١.
(٢) أبو محمد عبيدالله بن الحسن بن عبدالرحمن الصابوني الأنطاكي، الأنساب للسمعاني ٨/ ٢٤٩.
(٣) التعبير في المعجم الكبير للسمعاني ١/ ١٥٧٠.
(٤) شيوخ بن وهب لابن شكوال م ١ لوح م. (تعليق الشاملة): كذا في المطبوع!
[ م 1 / ٧١ ]
وقد جردت جميع الشيوخ في هذا الموطأ فكانوا جميعا في سفر ابن بشكوال، وقد بينت موضع ترجمة كل شيخ في كتاب ابن بشكوال وعدد مروايته في فصل شيوخه.
٣ - ذكر عبد الله بن وهب في جميع أحاديث المخطوطة من رواية تلميذية محمد بن. عبدالله بن عبد الحكم ت ٢٦٨ هـ، الذي روى أكثر من ثلثي المخطوطة حيث روى من أولها وثلاثة كتب وعدد مروياته ١٧٨ حديثا ثم بحر بن سابق الخولاني ت ٢٦٧ هـ الذي روى باقي المخطوطة برواية تلميذهما أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ت ٢٤٦ هـ فاسم مؤلف المخطوطة ابن وهب قد لازم الكتاب، فدل على صحة نسبته اليه.
ب - بالنظر الى المؤلفات الأخرى التي في نفس الفن، والتي صرحت بالنقل عن المخطوطة بذكر اسمها واسم مؤلفها، وعند المقارنة بين هذه
النقول فإننا نجد التطابق بينها وبين ما هو في المخطوطة، ومن ذلك ما يلي
١ - ما ذكره ابن عبدالبرت ٤٦٣ هـ في التمهيد، قال بسنده إلى عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء الى أن ينصدع الفجر احدى عشرة ركعة يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه فاذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، وذكر ابن وهب في موطنه عن عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله (^١). وهذا الحديث ورد في موطأ ابن وهب هذا وقال في آخره: وبعضهم يزيد على بعض.
٢ - عزا ولي الدين أبو زرعة ت ٨٢٦ هـ في المستفادة من مبهمات المتن، الاسناد الى موطأ ابن وهب كما يلي:
١ - قيل: هو تميم الداري، وقيل: رجل من ثقيف، يكنى أبا تمام، اسمه
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر ٨/ ١٢٣ - في موطأ ابن وهب هذا ٣٢٧
[ م 1 / ٧٢ ]
كيسان أبو نافع الدمشقي كما في مسند موطأ ابن وهب (^١) وهذا الحديث ورد في مخطوطة ابن وهب من كتاب الأشربة برقم ٥٠.
٢ - حديث جابر أن رجلا من جيشان من اليمن قدم فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر، الحديث، وهو ديلم الجيشاني، كذا في مسند موطأ ابن وهب (^٢) وورد هذا الحديث في كتاب الأشربة برقم ٣٤، ٣٥.
٣ - عزا الحافظ ابن حجر ت ٨٥٢ هـ موضعين من كتبه فيما وقفت عليه وهما كما يلي:
١ - قوله في الاصابة: وقع في موطأ ابن وهب حجم رسول الله ﷺ أبو هند (^٣)، وهذا الحديث في الكتاب رقم ١٦٠
٢ - قوله في الفتح: عن عمرو بن يحييالمازني في موطأ عبد الله بن وهب عن مالك أن عمرو بن يحيى حدثه (^٤) وهذا ورد في كتاب الزكاة برقم ١٨١ سندا ومتنا
ج - إنه بالنظر الى مادة الكتاب وكيفية تنظيمه وتصنيفه، ينبغي النظر الى جانبين: عام، وخاص.
* الجانب العام: بدراسة بيئة المؤلف من الجانب العلمي والثقافي ودراسة أسلوب التأليف في عصره ومقارنته بطريقة المصنف في تأليفه، نجد التشابه بينه وبين المؤلفين في عصره، واضح بين، في طريقة ترتيب الموضوعات على الأبواب والكتب، وايراد المادة العلمية من حيث التقديم والتأخير، والترتيب، وسأفصل ذلك في المبحث الثالث.
* الجانب الخاص: لدى مقارنة مادة الموطأ الصغير وكتب المؤلف الأخريكالجامع، والقدر، والمسند، يتبين لنا:
١ - الاتفاق في الشيوخ الذين روى عنهم في هذه الكتب الثلاثة المذكورة.
_________________
(١) المستفاد من مبهمات المتن والاسناد، ص: ٤٧.
(٢) المرجع السابق: ٤٧.
(٣) الاصابة لابن حجر ٤/ ٢١١
(٤) فتح الباري ٣/ ٣١٠.
[ م 1 / ٧٣ ]
٢ - الإتفاق في بعض الأحاديث المروية في الموطأ الصغير والكتب الأخرى، مثال ذلك ما ورد في كتابه الجامع: قال: حدثنا ابن جريج عن أبي مليكة، عن عائشة زوج النبي ﷺ قال: أبغض الرجال الى الله الألد، الحديث، وهذا الحديث ذكره ابن وهب في موطئه سندا ومتنا في كتاب الصلاة، برقم ٢٢٦ (^١).
د - نسبة عدد من العلماء من المتقدمين والمحدثين كتاب الموطأ الى ابن وهب، ومن هؤلاء العلماء:
١ - قال ابن عبد البر: قر أت على عبد الوارث بن سفيان موطأ ابن وهب (^٢)
٢ - ذكر ابن حزم ت ٤٥٦١ هـ مصنفات الحديث وأيها أولى بالتعظيم فرتبها ثم ذكر موطأ ابن وهب (^٣) بعد ذكره لموطأ مالك وابن أبي ذئب.
٣ - قال القاضي عياض ت ٥٤٤ هـ، في ترجمة ابن وهب: وألف تأليف كثيرة جليلة النفع منها موطأة الكبير (^٤).
٤ - قال ابن خلكان ت ٦٨١ هـ في ترجمته: صنف الموطأ الكبير والموطأ الصغير (^٥).
٥ - وقال ابن ناصر الدين القيسي ت ٨٤٢ هـ في ترجمته: ولابن وهب مؤلفات منها: موطأه الكبير والصغير (^٦).
٦ - ذكر ابن خلكان في ترجمة سحنون ت ٢٤٠ هـ وما عمله في الأسدية ومنهجه فيها قال: فرتب سحنون أكثرها وبوبه على ترتيب التصانيف، واحتج لبعض مسائلها بالآثار من روايته من موطأ ابن وهب وغيره (٧) حتى
_________________
(١) جامع عبدالله بن وهب: ٧٠، تصوير المعهد الفرنسي بالقاهرة.
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/ ٨٥.
(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٢٠٣.
(٤) ترتيب المدارك للقاضي عياض ٤٣٣/ ١.
(٥) وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٣٦.
(٦) اتحاف السالك برواة موطأ مالك، م لوحة رقم ٩٩.
[ م 1 / ٧٤ ]
تسمت بالمدونة نسبة له.
٧ - وذكر صاحب كتاب رياض النفوس موطأ ابن وهب في عدة أماكن وهي كما يلى:
* في ترجمته لأبي سعيد المقري، قال: واسمه كيسان أدخله ابن وهب في موطنه (^١).
* وقال في ترجمة أبو الغصن السوسي: كان يحفظ موطأ ابن وهب عن ظهر قلب (^٢).
* وذكر في ترجمة أبو عبيد مرة بن عقبة بن نافع الفهري قال: ابن وهب في موطئه (^٣).
٨ - وذكر ابن الفرض ما يلي: أعطانا يونس بن الأعليكتبه على ابن وهب الموطأ والجامع فقابلناهما (^٤).
٩ - وقال أبو إسحاق الشيرازي ت ٤٧٦ هـ في ترجمة ابن وهب: وصنف موطأه الكبير والموطأ الصغير (^٥).
١٠ - قال الذهبي: موطأ ابن وهب كبير الى الغاية (^٦).
١١ - وذكر ابن بدران في بداية المخطوطة ترجمة له وقال: وصنف الموطأ الكبير والموطأ الصغير (^٧).
١٢ - ذكر حاجي خليفة جملة من كتبه ومنها: الموطأ الكبير والموطأ الصغير (^٨).
_________________
(١) رياض النفوس لأبي بكر محمد المالكي، ت بعد ٤٦٤ هـ ١/ ١٢٤.
(٢) رياض النفوس ٢/ ١٦٢.
(٣) المرجع السابق ١/ ١٥١.
(٤) تاريخ علماء الأندلس ص ٤٦١.
(٥) طبقات الفقهاء / ١٥٥.
(٦) تاريخ الاسلام، وفيات ١٩١ ٣٠٠ - هـ / ٢٦٦.
(٧) المخطوطة لوحة رقم ١.
(٨) كشف الظنون ٢/ ١٩٠٧.
[ م 1 / ٧٥ ]
١٣ - وقال اسماعيل باشا: الموطأ الصغير لأبي عبد الله بن وهب المالكي المتوفى ١٩٧ هـ (^١).
١٤ - وقال الشيخ محمد مخلوف في ترجمته: له تآليف حسنة عظيمة النفع منها سماعه من مالك، وموطأه الكبير، موطأه الصغير (^٢).
وبهذا يتضح لنا جليا أن الموطأ الصغير هو لابن وهب الذي أقوم بتحقيق قسم منه.