بالنظر الى سيرة الامام عبد الله بن وهب، نجد أنه نشأ في طاعة الله، وقدم أولا النسك والعبادة على طلب العلم ..
يقول ابن وهب في وصف حاله: وكان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم، فولع مني الشيطان في ذكر عيسيكيف خلقه الله ﷿؟ ونحو هذا، فشكوت ذلكالى شيخ، فقال لي: يا ابن وهب؟ قلت: نعم، قال: اطلب العلم، فكان ذلك سبب طلبي للعلم (^٢) فكانت هذه النصيحة حافزا له على النهل من العلم وطلبه، فطلبه في سنّ مبكرة، واختلفت المصادر في تحديد سنه عند طلبه للعلم، وان تقاربت في ذلك.
قال ابن وضاح: وسمع العلم صغيرا، ابن ست عشرة سنة.
قال سحنون عنه: طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة (^٣) وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول:
طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة (^٤) ورواية طلبه للعلم في سن سبع
_________________
(١) انظر الرحلة في طلب الحديث ص ٤٧٢، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) جامع بيان العلم وفضله. لابن عبدالبر، ١/ ٢٦ - ٢٧، ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٨.
(٣) ترتيب المدارك لعياض ١/ ٤٢٢.
(٤) تهذيب الكمال للمزي ٢/ ٧٥٤. وتهذيب التهذيب لابن حجر ٦/ ٧٣.
[ م 1 / ٢٥ ]
عشرة سنة هي الأظهر، حيث رواها عدد من تلاميذه عنه، ورجحها الذهبي (^١) والرواية الأخرى تقاربها من حيث الفترة الزمنية، فأقبل على طلب العم بنهم، وسمع أولا من شيوخ بلده في مدينة الفسطاط (^٢) التي ولد بها، وتوفي، وعلى رأسهم الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وحميد بن هانيء، وحيوة بن شريح، وحسين بن عبد الله المعافري، وسعيد بن أبي أيوب، وعياض بن عبد الله الفهري، وعبد الرحمن بن شريح، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم من أهل مصر.
قال السيوطي: كان ابن وهب راوية عمرو بن الحارث (^٣) وذلك لشدة ملازمته له، وأخذه عنه، ولسعة علم شيخه عمرو بن الحارث، حتى أن ابن وهب قال: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخا، فما رأيت أحدا أحفظ من عمرو بن الحارث .. قال: ولو بقي لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا الى مالك ولا الى غيره (^٤) وظل عبد الله بن وهب ملازما لشيخه هذا، حتى توفي سنة ١٤٨ هـ.
وفي هذه السنة، ارتحل ابن وهب الى الحجاز للحج، وطلب العلم، بعد أن تعلم على مشائخ بلده.
ومن المعلوم أن طالب العلم قبل أن يبتديء بالرحلة في طلب العلم، يحفظ ويدون علوم شيوخ بلده، ثم يرتحل بعد ذلك لطلب العلم في بلد آخر.
ثم خرج وعمره ثلاث وعشرون سنة، بعد أن مكث بطلب العلم في بلده ست سنوات، وقد التقى في رحلته لمكة والمدينة، بعدد كثير من المحدثين من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم، وأكثر الأخذ عن علماء هذه الأقطار،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء. للذهبي ٩/ ٢٢٣، وتاريخ الإسلام له أيضا. وفيات ٢٦٧.
(٢) اسم لمصر التي بناها مصرام بن حام بن نوح، ولما فتحها عمرو بن العاص بنى بها فسطاطا، فسميت بذلك، الروض المعطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ ص: ٤٤١.
(٣) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي ١/ ٣٠٠.
(٤) وفيات الأعيان. لابن خلكان ٣/ ٣٢٤، وتهذيب التهذيب ٦/ ١٥.
[ م 1 / ٢٦ ]
فأصبح جامعا لعلمهم.
قال ابن وضاح: كان أهل الحجاز يحتاجون لابن وهب في علم الحجاز، وأهل العراق في علم العراق (^١) ويقول ابن وهب: أدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلا، فقد أكثر من الحديث، ولذا قال: لولا مالك، والليث، لضللت، فيقولان له: خذ هذا، واترك هذا (^٢).
قال القاضي عياض: وله نحو أربعمائة شيخ من المصريين، والحجازيين، والعراقيين، حتى عاب عليه شيخه مالك ذلك، فقال له: أي فتى لولا الاكثار.
وسبب هذه الكثرة هو اقباله على طلب العلم، بنهم وحرص شديدين (^٣).
ولقد أتاح له سكنه في المدينة مع ما جبلت عليه نفسه في أول أمره، من طلب العبادة والتنسك، حتى. إنه حج ستا وثلاثين، مرة، مما يتيح له اللقاء بالعلماء، وكما قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ (^٤) قال سحنون: قسم ابن وهب دهره أثلاثا: ثلثا في الحج، وثلثا يعلم الناس بمصر، وثلثا في الرباط، وذكر أنه حج ستا وثلاثين حجة (^٥) وكان تكراره للحج يتيح له لقاء المحدثين، والأخذ عنهم، وكذلك عند عودته للمدينة لا يترك وقته يضيع سدى، بل يستقل كل فرصة، فيقول عن نفسه: رأيت هشام بن عروة جالسا في مسجد النبي ﷺ فقلت: آخذ عن ابن سمعان، وأصير الى ابن هشام، فلما فرغت، قمت الى منزل هشام، فقالوا: قد نام، فقلت: أحج وأرجع، فرجعت، فوجدته قد مات (^٦) ولكنه لزم عالم ومفتي المدينة الذي وثق في علمه وورعه، فلازمه حتى وفاته سنة ١٧٩ هـ.
قال أبو طاهر بن السرح: لم يزل ابن وهب يسمع من مالك، من سنة ١٤٨ هـ
_________________
(١) ترتيب المدارك، ١/ ٤٢٢.
(٢) شجرة النور الزكية لابن فرحون ص: ١٣٣.
(٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٢، ٤٢٣.
(٤) سورة الحج الآية ٢٨.
(٥) سيرأعلام النبلاء. للذهبي ٩/ ٢٢٦.
(٦) تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات ٩١ - ٢٠٠، ص ٢٦٥، وترتيب المدارك ١/ ٤٢٧.
[ م 1 / ٢٧ ]
الى أن مات مالك.
فكانت مدة سماعه من شيخه مالك ٣١ سنة.
وحدد الشيرازي فترة ملازمته لشيخه مالك بعشرين سنة، حيث قال: صحب ابن وهب مالكا عشرين سنة.
ولكن بالنظر الى تاريخ قدومه المدينة عند وفاة شيخه عمرو بن الحارث سنة ١٤٨، وملازمته لمالك حتى وفاته سنة ١٧٩ يتبين أن مدة أخذه عنه ومصاحبته له ٣١ سنة، وان كان قبل ملازمته له في المدينة يلقاه في الحج، ثم يعود الى مصر.
قال ابن وضاح: حج ابن وهب سنة ١٤٤، وفيها لقي مالكا، ولم يسمع منه الا مسألة واحدة ة، سمع فيها المثنى بن الصباح بمكة، والمسألة التي سمع من مالك في الجمع بين المغرب والعشاء في المطر (^١).
فمكثه الطويل، مع حرصه على سماع العلم منه، واجتهاده، جعلت بينه وبين شيخه مودة ومحبة، فقربه اليه، وخصه بأمور منعها عن غيره.
ومن ذلك قوله: سألت مالكا أن يخليني في شيء يعرضه لي ففعل، فأنا عنده أقرأ عليه، إذ استأذن عليه عبدالصمد الهاشمي، والي المدينة فسأل مثل ما سألته، فأبى، وقال: قد أرادني الخليفة على هذا، فلم أجبه فقلت في نفسي، كيف لم يحتج عليه بي (^٢).
وكان مالك يسأل عنه يتفقده، اذا غاب، ويهاديه ويدنيه منه، ويعظمه، ويدل على ذلك قول ابن وهب: قال لي مالك: ما خلفك عنا منذ ليال؟ قال:
كنت أرمد .. قال مالك: أحسب من كتب الليل؟ قلت: أجل، فصاح مالك بالجارية، فهاتي من ذلك الكحل لصديقي المصري ابن وهبا (^٣) وكانت هذه المودة معروفة عند تلاميذ مالك، قال إسماعيل بن قعنب: كنت مع ابن وهب عند مالك، فكانت الهدية تأتي مالكا بالنهار، فيهديها لابن وهب في
_________________
(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٢.
(٢) المرجع السابق ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٧.
[ م 1 / ٢٨ ]
الليل، وكان من محبته له يحيطه بالنصح والتوجيه، فيقول له: اتق الله واقتصر على علمك، فانه لا يقتصر أحد على علمه الا نفع وانتفع، فان كنت تريد لما طلبت ما عند الله، فقد أصبت ما تنفع به، وان كنت تريد بما تعلمت الدنيا، فليس في يدك شيء (^١) وكان يجله ويحترمه، قال القاضي عياض: ما من أحد الا زجره مالك، الا ابن وهب، فانه كان يحبه ويعظمه، وكان ابن وهب حريصا على ألا يفوته شيء من علم مالك.
قال أحمد بن صالح: لم يكن مالك يتكلم بشيء الا كتبه ابن وهب، وكانت العلاقة بينهما متينة، حتى أنه يعرض عليه ما كتب، فيقر الصواب، ويمحو الخطأ.
قال ابن وهب: كنت آتي مالكا، وهو شاب، قوي، يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد الخط فيأخذ خرقة، فيبلها في الماء فيمحوه، ويكتب لي الصواب (^٢) ولذلك برع في علم مالك، وتفوق على قرنائه، ويقرون له بالتقدم والتفوق في علم شيخهم الامام مالك.
قال هارون القاضي الزهري: كان أصحاب مالك بالمدينة يختلفون في قول مالك بعد وفاته، فينتظرون قدوم ابن وهب، فيصيرون عن رأيه، وشهد له عدد من العلماء بصحة ما أخذ عن مالك.
قال علي بن الجنيد: سمعت أبا مصعب يعظم ابن وهب، وقال ابن وهب:
كنت بين يدي مالك أكتب، فأقيمت الصلاة وبين يديه كتب منشورة، فبادرت لأجمعها، فقال لي: على رسلك، فليس ما تقدم عليه بأفضل مما أنت فيه، اذا صحت فيه النية.
وقال ابن وهب: ما تعلمت من أدب مالك أكثر مما تعلمت من علمه (^٣) ومن توجيهات مالك لابن وهب قوله له: خير الأمور ما كان واضحا بينا أمره، وان كنت في أمرين، أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوفق.
_________________
(١) المرجع السابق ١/ ١٩٠.
(٢) ترتيب المدارك، للقاضي عياض ١/ ٤٢٦.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ١١٣.
[ م 1 / ٢٩ ]
وقوله له: أد ما سمعت وحسبك، ولا تجعل لأحد على ظهرك، فانه يقال:
أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع اّخرته بدنيا غيره (^١) وقوله له: انه لم يكن يسلم رجل حدث بكل ما سمع.
ومما قال له: ان حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار، وسكينة، وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله، وأن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلا يفزعون اليه.
وقال ابن وهب: لو شئت أن أملا الواحي من قول مالك بن أنس، لا أدري لفعلت (^٢).
وبقي في المدينة يتلقى العلم عن شيوخها بعد وفاة شيخه مالك - قال ابو محمد عون بن يوسف الخزاعي -: قدمت المدينة سنة ثمانين ومائة، وتركت فيها أربعين رجلا من معلمي ابن وهب، رحمه الله تعالى (^٣).
ثم بعد ذلك عاد الى بلد ٥ مصر، ناشرا علمه .. قال الربيع - صاحب الشافعي -: جننا عبد الله للسماع، واجتمع على بابه خلق كثير، قام ليفتح، فلما فتح ازدحمنا للدخول، فسقط، وشج وجهه، فقال: ما هذا الا الخفة وقلة الوقار، ونحو هذا، والله لا أسمعتكم اليوم حرفا، ثم قعد وقعدنا، فلما رأى ما بنا من الهدوء، قال: أين سكينة العلم، انما أنا أكفر عن يميني، وأسمعكم، فكفر وأسمعنا (^٤).
_________________
(١) ترتيب المدارك ١/ ١٩٠.
(٢) ترتيب المدارك ١/ ٤٢١ - ٤٢٣.
(٣) رياض النفوس، في طبقات علماء القيروان وأفريقية، لأبي عبد الله محمد المالكي، توفي بعد ٤٦٠ هـ، ١/ ٣٨٥.
(٤) ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج ١، ٤٢٧ - ٤٢٨.
[ م 1 / ٣٠ ]