أما ورع عبد الله بن وهب، وزهده، وخوفه من الله تعالى، فأكثر من أن يحصر، وهذه نماذج من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر:
يقول الشيرازيفي طبقات الفقهاء: قدم أسد بن الفرات الى مصر، فقصد ابن وهب، وقال له: هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فتورع ابن وهب وأبى، فذهب الى ابن القاسم، فأجابه الى ما طلب (^٥) وقال أبو زرعة أسد بن الفرات رجل من المغرب كان سال محمد بن
_________________
(١) المدارك ١/ ٤٢٦.
(٢) الانتقاء لابن عبدالبر ٤٩.
(٣) طبقات الفقهاء للشيرازي ١٥٠.
(٤) ترتيب المدارك لعياض ١/ ٤٢٢.
(٥) طبقات الفقهاء ١٥٦.
[ م 1 / ٦٥ ]
الحسن صاحب أبي حنيفة عن مسائل، ثم سأل ابن وهب أن يجيبه بما كان عنده عن مالك، وما لم يكن عنده عن مالك، فمن عنده، فلم يفعل، فأتى عبد الرحمن بن القاسم، فتوسع له، فأجابه على هذا (^١) وقال محمد بن عبد الحكم، وابن بكير: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، إلا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا (^٢) قال ابن وهب: جعلت على نفسي كلما اغتبت إنسانا صيام يوم فهان علي، فجعلت عليها اذا اغتبت انسانا عليّ صدقه درهم، فثقل علي وتركت الغيبة (^٣) ولما طلب لقضاء مصر استخفى عند حرملة بن يحيى سنة وأشهرا، وقال: بينا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء، أحشر في زمرة القضاه
وقال ابن أخيه أحمد: ما رأيت قط أزهد في الدنيا من ابن وهب، كان ينهدم عليه بعض بنيانه فلم يصلحه، وما بنى قط شيئا.
وقال أحمد بن سعيد الهمداني: دخل ابن وهب الحمام، فسمع قارئا يقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ (^٤) فغشي عليه (^٥) قال يونس، قال ابن وهب: إن أصحاب الحديث طلبوا مني أن أسمعهم صفة الجنة والنار، وما أدري أأقدر على ذلك؟ ثم قعد لهم فقرأوا عليه صفة النار، فغشي عليه، فرش بالماء وجهه، فقيل: اقرأوا عليه صفة الجنة، فلم يفق، وبقي كذلك اثني عشر يوما، فدعى له طبيب، فنظر اليه فقال: هذا رجل انصدع قلبه (^٦) ولهذا سماه أبو نعيم في
_________________
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٢٧٩.
(٢) ترتيب المدارك ١/ ٤٢٤.
(٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٤.
(٤) سورة غافر الآية ٤٧.
(٥) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٧.
(٦) ترتيب المدارك ١/ ٤٣٢.
[ م 1 / ٦٦ ]
[قتيل الخوف والكرب المحدث المصري]، قال ابن عبد البر: ذكر ابو العباس محمد بن اسحاق السراج في تاريخه قال: حدثنا الجوهري قال:
حدثنا خالد بن خداش، قال: قريء على عبد الله بن وهب، ما كتبه في أهوال يوم القيامة فخر مغشيا عليه فلم يتكلم بكلمة حتى مات (^١).
قال ابن أخيه أحمد: وشهدت عبد الله بن وهب يقرأ عليه كتابه الأهوال الذي كان يرويه أنه بلغه عن أبي هريرة ﵁، وشهد. أبو اسامة البكاء فاخذ في البكاء ثم ان أبا اسامة قام بتلك الرقة، وابن وهب على حاله من البكاء والقاريء يقرأ وابن وهب ينشج رافعا صوته حتى إني لاحسب من كان على خمسين ذراعا يسمعه، فلم يزل كذلل حتى مال على الحائط الذي كان مستندا اليه ثم احتمل الى منزله فلم يزل على حاله لا يعقل حتى توفي (^٢).