كان الإمام مالك ﵀ شديد الاعتناء بالنص، وكان لا يجيز الرواية بالمعنى في أحاديث النبي ﷺ.
قال معن: «كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما».
وروى عنه ابن عمير مثله.
قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني، قال: ثنا صالح بن أحمد الحافظ، قال: ثنا القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت أبا حاتم يعني الرازي يقول: سمعت سعيد بن عفير يقول: قال مالك بن أنس: كل حديث للنبي ﷺ يؤدى على لفظه، وعلى ما روي، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى».
وقال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: ثنا عبيد الله بن محمد العكبري، قال: ثنا حمزة بن القاسم الخطيب، قال: ثنا
[ ١ / ٥٨ ]
عمر بن مدرك، قال: ثنا عبد العزيز بن يحيى المديني مولى أبي هاشم، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما كان من حديث رسول الله ﵌ فلا تعدُ اللفظ، وما كان من غيره فأصبت المعنى فلا بأس».
وقال الخطيب: «أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل الأنباري، قال: أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري، قال: ثنا عبيد الله بن الحسن الصابوني، قال: ثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي بمصر، قال: ثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال أشهب: سألت مالكًا عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى (واحدٌ) فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيها، وينقص منها، وما كان من قول غير رسول الله ﷺ فلا أرى بذلك بأسًا إذا كان المعنى واحدًا».
وقال الخطيب: «أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أنا محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي، قال: أنا الحسين بن إدريس، قال: ثنا ابن عمار عن معن، قال: سألت مالكًا عن معنى الحديث، فقال: أما حديث رسول الله ﷺ فأدِّه كما سمعته، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى».
لقد ادّعى الدكتور بشار عواد في ذلك على الرغم من اعترافه بدقة الضبط عند مالك إلا أنه يرى أن الإمام مالكًا كان يروي بالمعنى أيضًا، مستدلًا باختلاف الروايات. وهذا نص كلامه:
قال الدكتور بشار عواد: «أما اختلاف الموطآت فيعود فيما نرى إلى سببين رئيسين يتصل أحدهما بالآخر:
الأول: اختلاف الأزمنة التي أخذ فيها كل راوٍ روايته مما يبين أن مالكًا
[ ١ / ٥٩ ]
كان يعدل ويغيّر في ترتيب الكتاب وتبويبه، ويزيد فيه وينقص منه هنا وهناك، أو يغير في لفظه مما يراه مناسبًا، ومن هنا يتعين الانتباه إلى آخر ما ارتضاه من الموطأ باعتباره يمثل النشرة الأخيرة التي أرادها المؤلف لهذا الكتاب.
الثاني: جواز رواية الحديث بالمعنى، وهو أمر يحتاج إلى مزيد توضيح وبيان على الرغم من تناول كتب مصطلح الحديث هذا الموضوع، وقولهم بأن رواية الحديث جائزة بالمعنى شرط أن لا تحيل المعاني عن مواضعها ومقاصدها.
والحقّ أن الموطأ من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الأحاديث كثير إلى حد يصعب حصره في التعليق على أية رواية من هذه الروايات، وقد جربنا ذلك مثلًا بين رواية يحيى المصمودي ورواية أبي مصعب الزهري، أو محاولة إثبات الخلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الحديث عند مالك، فوجدنا أن الأمر يحتاج إلى تسويد مئات الصفحات من الحواشي لتوضيح هذه الاختلافات. وفي الوقت الذي نؤكد هذه الحقيقة الماثلة للعيان جراء التجربة والملاحظة، علينا أن ندرك في الوقت نفسه جملة أمور منها:
أ - أن الإمام مالك بن أنس قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، وأنه قد أملى الموطأ في مدد مختلفة، فكأنه كان يغير في بعض الألفاظ أو يختصر بين حين وآخر.
ب - وإنما يدل على صحة ما ذكرنا أن الرواة الثقات لموطأ مالك قد اختلفوا فيما بينهم اختلافًا كبيرًا يدل على احتمال أن يكون هذا الاختلاف من مالك نفسه، فضلًا عن احتمال بعض التغييرات في الألفاظ من الرواة أنفسهم بسبب روايتهم لها».
[ ١ / ٦٠ ]
وللرد على هذا أقول: إن هذه الدراسة اعتنت باختلاف الروايات، والفروق التي بينها، فإذا بحثنا عن مصدر اختلاف الروايات نجد أن أكثر هذه الاختلافات ترجع إلى تلاميذ الإمام مالك وقليل منها جدًا يمكن نسبته إلى الإمام مالك نفسه، وسيتضح هذا لكل من ينظر في هذه الطبعة من الموطأ إن شاء الله.
وقد قارنّا بين روايتي يحيى بن يحيى الليثي، وأبي مصعب الزهري حرفًا بحرف لأحاديث كثيرة وفتاوى عديدة لمعرفة هل هناك ثمة اختلاف بين الروايتين
وقمنا بمقارنة ما يقارب سبعة وتسعين حديثًا وفتوى من رواية يحيى الليثي برواية أبي مصعب الزهري، وهذه مقارنة دقيقة، لم نهمل فيها حتى حروف الجر، ولقد خصصنا لهذه الدراسة الملحق /١ وهذه الدراسة لا تؤيد ما ذهب إليه الدكتور بشار عواد، ويثبت أن في كلامه تهويلًا كثيرًا.