بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اختاره لوحيه، وانتخبه لرسالته، وفضله على جميع خلقه، رفع ذكره مع ذكره في الأولى، وجعله الشافع والمشفع في الآخرة، أفضل خلقه نفسًا، وخيرهم نسبًا ودارًا، فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى الله عليه في الأولين والآخرين أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدًا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
أما بعد!
فكل إنسان عندما تتقوى مداركه، وتنضج أفكاره، ويستعمل عقله - وهو من أكبر نعم الله ﷾ على عباده - يواجه مسألة وجوده وصلته بالكون.
الإنسان البدائي الذي كان يعيش في الكهوف، والإنسان المتحضر الذي يقطن ناطحات السحاب كلاهما يواجهان المشكلة نفسها، وعليهما أن يجيبا على السؤال ذاته. من أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟
يرى الإنسان. كل إنسان سواء أكان عالمًا أم جاهلًا، غنيًا أم فقيرًا، أنه وجد على الأرض بدون أن يكون له أدنى رأي في وجوده هنا أو عدمه.
[ ١ / ٥ ]
ثم يواجه الإنسان موت أحبائه وأقربائه، وأصدقائه وأعدائه، حتى هو بنفسه يشرب من نفس الكأس، ولا يملك لنفسه - فضلًا عن غيره - قدرة التغيير والتبديل، فهو لم يخلق نفسه، ولا يملك أن يتغلب على الموت، فالموت حق شئنا أم أبينا.
إذن فوجود الإنسان على هذا الكوكب الأرضي بدون رغبة منه، ويدعى إلى مصيره بدون أن يستشار في ذلك، ويبقى السؤال الأبدي في محله: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ فلا بد للإنسان أن يجيب عن هذه الأسئلة، ويمكنه أن يتجاهلها، ولكن تجاهله لا يغير من الواقع شيئًا.
وعلى جواب هذه الأسئلة يتوقف تصور الحضارات ونشأتها، وتطورها، وازدهارها وسقوطها. الفلاسفة في الشرق والغرب، والأديان كلها سماوية أو غير سماوية ترد على هذه التساؤلات، أما جواب الإسلام - بالاختصار - فهو الآتي: الله جل وعلا هو خالق كل شيء.
﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه﴾ [الأنعام: ١٠٢].
﴿وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ [الأنعام: ١٠١].
﴿وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ [النساء: ٩٢].