كان الإمام مالك ﵀ يدرس الموطأ، وقد روى عنه هذا الكتاب جمّ غفير من المحدثين. وفي الوقت نفسه فإن الرواة الذين اشتركوا في رواية الموطأ رووا أحاديث خارج الموطأ، ولبعضهم أسمعة، مثل سماع أشهب، وسماع ابن القاسم وغيرهما، وهي عبارة عن الآراء الفقهية للإمام مالك سمعها هؤلاء منه
[ ١ / ١١٨ ]
وأخرجوها على شكل كتب، بينما الموطأ نفسه يشتمل على الآراء الفقهية لمالك، فكيف كان يتم التفريق بين أن يكون هذا الرأي جزءًا من الموطأ، والآخر يدخل في الأسمعة؟
والأمثلة التالية توضح هذا الأمر:
١ - الحديث: إن بلالًا ينادي بليل.
قال الجوهري: «هذا في الموطأ عند القعنبي مسندًا، قال فيه: عن سالم، عن أبيه.
وعند غيره عن سالم فقط».
وقد رواه في غير الموطأ عبد الرزاق، وابن أبي أويس، وأبو قرة، ومحمد بن حرب، وزهير بن عباد، وكامل بن طلحة، فقالوا فيه: عن سالم كما قال القعنبي.
٢ - عبيد الله بن عبد الجبار: بينما هو جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل.
قال الجوهري: هذا حديث مرسل.
وقد رواه روح بن عبادة عن مالك في غير الموطأ عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن النبي ﷺ.
٣ - أبو هريرة: شر الطعام طعام الوليمة.
قال الجوهري: هذا حديث موقوف، وقد رواه في غير الموطأ إسماعيل
بن مسلمة بن قعنب عن مالك مسندًا. والقعنبي من كبار رواة الموطأ المشهورين.
[ ١ / ١١٩ ]
٤ - أنس: كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان.
قال الغافقي: هذا حديث موقوف، وقد رواه في غير الموطأ عبد الله بن المبارك عن مالك مسندًا.
٥ - أنس: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة.
قال الجوهري: وهذا ليس عند ابن وهب، ولا ابن القاسم، ولا القعنبي، ولا ابن عفير في الموطأ .. وهو عند القعنبي خارج الموطأ.
٦ - كان جرهد من أصحاب الصفة، روى: الفخذ عورة.
قال ابن الورد: وهذا عند معن وابن بكير وابن برد، ولا أعلمه عند غيرهم في الموطأ، وهو عند القعنبي خارج الموطأ.
٧ - ابن عمر: إن من الشجرة شجرة لا تسقط ورقها.
قال الجوهري: هذا عند معن، وابن القاسم، وابن عفير، وابن بكير، وابن برد في الموطأ، وعند القعنبي خارج الموطأ.
٨ - ابن عمر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين.
قال الجوهري: وهذا عند ابن بكير، وابن برد، ومصعب الزبيري في الموطأ. وعند القعنبي خارج الموطأ.
٩ - عائشة: على يهودية يبكي عليها.
قال الجوهري: هذا الحديث في جميع الروايات غير القعنبي فإنه عنده
[ ١ / ١٢٠ ]
خارج الموطأ. والله أعلم.
١٠ - ابن عمر: من حمل السلاح فليس منا.
قال الجوهري: هذا الحديث في الموطأ عند ابن وهب، ومعن، وابن بكير، وليس عند ابن القاسم، ولا أبي مصعب، ولا القعنبي، وهو عنده خارج الموطأ.
ونحن نعلم أن القعنبي وابن أبي أويس، وعبد الله بن المبارك، وروح بن عبادة وغيرهم من رواة الموطأ، فيُروى حديث عن مالك ولا يكون عندهم في الموطأ، بل عند بعضهم الحديث نفسه يكون خارج الموطأ. أو يكون لدى البعض مجموعة آراء فقهية لمالك التي تسمى سماع فلان وسماع فلان، والموطأ نفسه فيه آراء فقهية لمالك فوجود آراء فقهية لمالك في مصدرين في آنٍ واحد يدل على أن درس الموطأ كان متميزًا، وكان الطلبة يعرفون أن هذه المواد جزء من الموطأ، وتلك خارج عن الموطأ، والله أعلم بالصواب.