قال القاضي عياض: جاء في رواية أن أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون، عمله كلامًا بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل. ولو كنت أنا لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ.
وقد وجدت بفضل الله عدة أوراق من كتاب ابن الماجشون عنوانها:
«كتب ابن الماجشون في الفقه: كتاب البيوع، وكتاب الطلاق» ثمانية أوراق.
[ ١ / ٨١ ]
وورقة من كتاب الحج.
وورقة من كتاب العقول وكتاب الطلاق.
وقد طبع الأستاذ ميكلوس مورياني الورقة الخاصة بالحج وسنلقي نظرة سريعة على باب الحج لنكشف منهج المؤلف، ولنتبين نقطة الضعف في الكتاب التي أشار إليها الإمام مالك ﵀.
[نص كتاب ابن الماجشون]
«بسم الله الرحمن الرحيم
في الحج
قال: حدثنا عبد العزيز قال: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من فج عميق﴾ [الحج: ٢٧].
﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧].
والاستطاعة فيما بلغنا مركب وزاد.
فالحج فريضة على كل مسلم حجة في الدهر.
وقد حجَّ رسول الله ﷺ فأرى الناسَ مناسكَهم، وأعَلمَهم ما يحل لهم في حجتهم وعمرتهم وما يحرم عليهم، فتجرد رسول الله وأمر بالتجريد، ونهى عن لبس القُمُص والسراويلات والبرانس والعمائم والخفاف
[ ١ / ٨٢ ]
والقلانس، ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، وما سوى ذلك من لبس الثياب فهو حلال لهن وللرجال والنساء أن يظاهروا من الثياب ما أحبوا،
وأن يستبدلوا منها ما إذا لم يكن في ذلك شيء مما نُهِيَ عنه من الثياب أو شيء مما مسه الزعفران [أو الوَرْسُ]، ومن أراد أن يلبس شيئًا مما مسه الزعفران أو الورس فليغسله حتى يذهب لونه ويذهب ريحه، وأحب ألوان الثياب إلى العلماء في الإحرام البياض من غير تحريم لما سواها.
بلغنا أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبين مصبوغين بمَشْقٍ فقال: يا معشر هؤلاء النفر إنكم أئمة يقتدي بكم الناس، يريد المهاجرين الأولين، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا في الإحرام.
ووقت رسول الله ﷺ لكل الناس مُهَلَّهم فقال: يُهلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن وأهل اليمن من يلملم.
وقال فيما بلغنا: هذه المواقيت لأهلها ولمن أتى عليها من غيرهم، ومن كان أهله من دون هذه المواقيت فُمهَلُّه من أهله، فمن أراد أن يهل إن شاء الله فليأت مُهَلَّهُ مغتسلًا فإن ذلك يستحب أو ليغتسل عنده ثم ليلبس ثياب إحرامه، ثم ليمس من الدهن إن أحب ما لا طيب فيه إلا الشيء الخفيف، وإنّي أكره له أن يصيب من الطيب، ما يبقى في رأسه ريحه حتى يجده إحرامه، ثم ليدخل المسجد إن كان في حين صلاة».
نلاحظ هنا أن ابن الماجشون ﵀ أشار إلى أحاديث النبي ﷺ إشارة خفيفة، ولم يذكر الآثار عن الصحابة والتابعين في هذا المجال إلا أثرًا واحدًا، لكنه اكتفى بذكر المسائل التي يحتاج إليها الحاج. وكان هذا
[ ١ / ٨٣ ]
منهجه في بقية كتبه الفقهية. لأن لدينا الآن - والحمد لله - من كتابه: البيوع والطلاق. ما يدل على ذلك.
وربما فكر الإمام مالك ﵀ بعد الاطلاع على هذا الكتاب كما جاء في بعض الروايات أن يخدم الموضوع فيؤلف كتابًا مبتدئًا بالآثار ثم الآراء الفقهية، وقد تمَّ له ذلك.