بعد حفظه للقرآن اتجه مالك إلى دراسة الشريعة والتي تشمل السنة والآثار، وفي بداية الأمر اتصل بعبد الرحمن بن أبي ربيعة، ثم بدأ يحضر حلقات الآخرين.
قال القاضي عياض: «قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يومًا علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم. فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، وفي رواية ثمان سنين لم أخلط بغيره».
لقد قبل هذا الخبر الأستاذ أبو زهرة - ﵀ - فاستنتج منه أن «هذا لا يكون دون العاشرة».
إني لا أتعرض لانقطاع الإمام مالك إلى ابن هرمز، هذا لا غبار عليه، ولكن الاعتراض عندي على السبب. جاء في النص «كان لي أخ في سن ابن شهاب». والفرق بين ابن شهاب ومالك هو أربعون سنة فقط. فإذا كان مالك عمره عشر سنوات، سيكون عمر أخيه خمسين سنة. أيكون معقولًا من والد يوجه سؤالًا إلى رجل كهل عمره خمسون عامًا، والآخر في طفولته وعمره عشر
[ ١ / ٢٣ ]
سنين، فإذا أخطأ الطفل الجواب فيوبخه. أو كان مستوى السؤال يناسب الطفل في العاشرة، والسؤال نفسه يوجه إلى رجل في كهولته؟
وهذا الشيء كثير في كتب مناقب الأئمة، وما كتب في مناقب أبي حنيفة والشافعي أدهى وأمر.
على كلٍّ كان الإمام مالك محظوظًا جدًا، إذ استفاد من نافع مولى ابن عمر، حين فاته سالم بن عبد الله بن عمر (المتوفى ١٠٦ هـ) ونافع هو الآخر توفي في (١١٧ هـ) ولكنه استفاد منه استفادة تامة.
«قال مصعب: كان مالك يقود نافعًا من منزله إلى المسجد، وكان قد كف بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع».
و«قال مالك: كنت آتي نافعًا مولى ابن عمر، وأنا يومئذ غلام، ومعي غلام لي، وينزل إليّ من درجة له فيقعدني معه فيحدثني».
وقال: «كنت آتي نافعًا نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس إلى خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده، ثم أتعرض له فأسلم عليه، وأدعه حتى إذا دخل البلاط، أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني، ثم أجلس عنده، وكان فيه حدة».