وبهجرة رسول الله ﷺ تحولت يثرب إلى (المدينة المنورة)، فقد نزلت على أرضها الطاهرة الشريعة الإسلامية، فتشرفت بتطبيقها جملة وتفصيلًا.
وهذه مكرمة لا تدانيها ولا تقاربها أية مدينة في العالم، فهي مهاجَرُ رسوله، ومظهر دعائه، ومأوى حبيبه، ومثوى خاتم أنبيائه ﷺ.
ذكرت أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعِك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟
قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه، يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردَنْ يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة».
وقد طلع لرسول الله ﷺ جبل أحد، فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم ما بين لابتيها».
[ ١ / ٩ ]
ودعا لأهل المدينة قائلًا: «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم».
وقال: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها».
وقد فتحت المدائن بالسيوف، وافتتحت المدينة بالقرآن.
«قال جعفر بن محمد، قيل لمالك: اخترت مقامك بالمدينة، وتركت الريف والخصب؟
فقال: وكيف لا أختاره، وما بالمدينة طريق إلا سلك عليها رسول الله ﷺ، وجبريل ﵇ ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة».
فهي دار الهجرة، ودار السنة، وفيها قبر النبي ﷺ، وفيها روضة من رياض الجنة، وفيها منبره ومحرابه، وليس هذا في أية بقعة أخرى في العالم.
والمدينة المنورة هي أول بقعة شهدت تطبيق الأحكام الشرعية على كافة شؤون الحياة، سواء ما كان يتعلق بالعبادات أم المعاملات، أم بالأخلاق والآداب.