وتقديم أهل العلم والفضل في المجلس كان معمولًا به عند مالك، بينما لا يلقي بالًا لعلية القوم في المجتمع إذا لم يكونوا من أهل العلم.
قال جعفر بن إبراهيم: كلم صديق لأبي مالكًا أن أسمع منه، فأذن، فكنت أختلف إليه وأنا مدل بنسبي من الرسول ﵊ وموضعي، فأتخطى الناس إلى وساد مالك فلا يتزحزح، ويريني أنه لم يدنني احتقارًا لي، فشكوت ذلك إلى أبي وغيره فبعثوا إليه يسألونه إكرامي، وأثرتي، فقال للرسول: ما هو عندنا وغيره سواء، إنما هي عافاك الله مجالس علم، السابق إليها أحق بها، فكنت آتي وقد أحدق الناس، فما يوسع لي فأستدني حيث وجدت».
وأختم هذه الفقرة. بموقفه مع الخليفة المجاهد هارون الرشيد، وفيه عظة، وعبرة وإكبار وإجلال للعلم والعلماء، والخلفاء الذين كانوا يحكمون العالم ثم لا يتكبرون على العلم بل يتشرفون بأن يُحسبوا من زمرة الطلاب.
قال ابن عساكر:
«أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور المالكي قال: أنبأني أبو العباس الفقيه، قال: أنبأ عبد الوهاب بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو يعلى عبد العزيز بن عبد القريب الحراني المقرئ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي قال: حدثني إبراهيم بن نصر النهاوندي، قال: حدثني عتيق بن يعقوب الزبيري قال:
قدم هارون الرشيد المدينة، وكان قد بلغه أن مالك بن أنس ﵀ عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجه إليه البرمكي فقال: أقرئه السلام وقل له: يحمل إليّ الكتاب، فيقرأه عليّ، فأتاه البرمكي.
[ ١ / ٤٣ ]
فقال له: أقرئه السلام، وقل له: إن العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي،
فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو يوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك أعزم عليه، فبينا هو كذلك، إذ دخل مالك بن أنس فسلم وجلس،
فقال: يا ابن أبي عامر: أبعث إليك فتخالفني؟!
فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزهري، وذكره عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه ﵁ قال:
كنت أكتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥] قال: وابن أم مكتوم بين يدي رسول الله ﷺ. فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله ﷿ في فضل الجهاد ما قد علمت.
فقال النبي ﷺ: «لا أدري». وقلمي رطب ما جفّ حتى وقع فخذ النبي ﷺ على فخذي، ثم أغمي على النبي ﷺ، ثم جلس ﷺ، فقال: يا زيد اكتب: ﴿غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥].
ويا أمير المؤمنين حرف واحد بعث فيه جبريل، والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أعزه وأجلّه، وإن الله ﵎ رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول من يضع عِزّ العلم فيضعُ الله عِزَّك.
قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرأه عليَّ؟
قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان:
قال: فتخرج الناس عني حتى أقرأه أنا عليك.
[ ١ / ٤٤ ]
فقال مالك: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع الله به الخاصة، فأمر له معن بن عيسى القزاز ليقرأه عليه، فلما بدأ بالقراءة ليقرأه، قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركت أهل العلم ببلدنا، وإنهم ليحبون التواضع للعلم، فنزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه». رحم الله هارون الرشيد، ورضي عنه.
وقد ذكر «القاضي الفاضل في بعض رسائله، ما أعلم أن لمالك رحلة في طلب العلم إلا الرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ عن مالك. قال: وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية، فسمعه على طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثًا. انتهى من مجلة الهداية الإسلامية».