قال القطان: «لما مات مالك ﵀ أخرجت كتبه، أصيب فيها فنداق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين».
وقال ابن مالك: «لما دفنا مالكًا دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى، وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله، لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه».
قال القاضي عياض: «وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه ففتح صناديق مملوءة كتبًا فقرأها فذكر نحوه، قال: ثم فتح صندوقًا فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري، وفتح آخر فأخرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة، فما رأيت شيئًا مما ذاكر به أصحابه في حياته».
قال ابن أبي زنبر: «سمعت مالكًا يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث».
وقال أحمد بن صالح: «نظرت في أصول كتاب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث».
والحق أننا لا نستطيع أن نعرف مقدار أحاديثه إلا ما رواه، ومن المعلوم أنه ما روى كل ما سمع.
[ ١ / ٥٤ ]
مما لا شك فيه أن في الأرقام المذكورة مبالغة كبيرة، سببه تفكير بعض العلماء كيف يكون الإمام مالكٌ إمامًا وحصيلةُ الحديث في كتابه زهاء سبعمائة حديث، وبالمراسيل والبلاغات ما يقارب الألف.
وقد قال ابن المديني: «لمالك نحو ألف حديث، يعني مرفوعة».
والجواب المحكم للاستغراب عن قلة أحاديث مالك يكمن في النصوص الآتية:
قال الشافعي وذكر الأحكام والسنن، فقال: «العلم - يعني الحديث - يدور على ثلاثة؛ مالك بن أنس وسفيان بن عيينة والليث بن سعد» وذكر الشافعي أحاديث الأحكام فقال: «تدور على أربعمائة ونيف أو خمسمائة».
وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: «أصول الأحكام نيّف وخمسمائة حديث، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثًا، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث».
وقال ابن القيم: «أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث».
فبراعة الإمام مالك هو في انتقائِهِ للأحاديث القليلة التي هي مدار أحاديث الأحكام.
وقد أشار إلى هذا الشيخ ولي الله الدهلوي فقال: «ومن تتبع مذاهبهم، ورزق الإنصاف من نفسه علم لا محالة أن الموطأ عُدة مذهب مالك وأساسه، وعمدة المذهب الشافعي وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبي حنيفة ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة للموطأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون، وإن الناس وإن كانوا من فتاوى مالك في رد وتسليم وتنكيت وتقويم فما صفا لهم المشرب، ولا تأتى لهم المذهب إلا بما سعى في ترتيبه واجتهد في تهذيبه. قال الشافعي لذلك: ليس أحد أمنّ عليَّ في دين الله من مالك.
[ ١ / ٥٥ ]
وعلم أيضًا أن الكتب المصنفة في السنن كصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي وما يتعلق بالفقه من صحيح البخاري وجامع الترمذي مستخرجات على الموطأ تحوم حومه، وتروم رومه».
وهذا جدول إجمالي لما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن طريق الإمام مالك.