الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من خواص الإسلام. قال الله تعالى:
[ ١ / ٦٤ ]
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]، زد على ذلك من واجب العلماء ترشيد العامة، والخاصة إلى ما هو الحق والصواب، وفي سبيل أداء هذا الواجب لقي خيار الأمة ما لقوا من الامتحان، وقد مر بذلك الإمام مالك ﵀ أيضًا.
فقد جُرد مالك ﵀ من ثيابه، وضرب بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وكان ذلك سنة ست وأربعين ومائة. وكان من أثر ذلك أنه كان يضطر أن يحمل إحدى يديه بالأخرى.
قال إبراهيم بن حماد الزهري: رأيت مالكًا يحمل إحدى يديه بالأخرى.
واختلف العلماء في سبب هذه المحنة، فذكر الطبري أن أبا جعفر نهى مالكًا عن الحديث:
«ليس على مستكره طلاق». ثم دسّ إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضرب لأجل ذلك.
وذكر الواقدي سببًا آخر، وهو شديد الصلة بالسبب الأول.
قال الواقدي: «لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه وقُبل قوله حُسد وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده.
قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رُفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو».
[ ١ / ٦٥ ]
وعلق عليه ابن النديم صاحب الفهرست قائلًا: «وكأنما كانت تلك السياط حليًا عليه».
وقال الذهبي: «قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيرًا يصيب منه».
لكن ماذا كان موقف مالك ﵁ وأرضاه من هذه المحنة؟
حُمل مالك من الضرب مغشيًا عليه فلما أفاق، قال: «أشهدكم أني جعلت ضاربي في حلٍّ».
وبيّن سببه، فقال: «تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي».
وبعد مدة وجيزة دار الزمان، وغضب المنصور على ضارب مالك، وضرب ونيل منه أمر شديد.
«فبُشر مالك بذلك، فقال: سبحان الله أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ إنا لنرجو من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو من عفو الله أكثر من هذا، وقد ضربت فيما ضرب فيه محمد بن المنكدر، وربيعة وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر».