إِنَّ الْحَمْدَ لله؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِينهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أَنْفِسِنا، وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا؛ مَنْ يَهْدِهُ الله فلا مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله -وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَن؛ مُحمدًا عَبْدُة وَرَسولهُ.
أَمّا بَعْدُ:
فإن كِتَابَنا هَذا -بِحَمْدِ الله- مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ السُّنةِ الْجَوامِع؛ الّتي حَوَتْ بَيْنَ دَفتَيْها بضْعَةَ آلافٍ مِنْ نُصُوصِ حَدِيثِ رَسُولِ الله -ﷺ- قَولِيَّةً وَفِعْلِيةً-؛ بالإضافَةِ إلى مِئاتِ الْمَرْوِيّاتِ السلَفِيةِ، وَالنقولِ الأَثَرِيَّةِ عَنِ الصَّحابَةِ وَالتّابِعِين.
وَلَقَدْ خَرجَ مُؤَلِّفنا الْكَبيرُ -الْحافِط ابْنُ حَجَرٍ الْعَسقَلانِيُّ -رَحمَةُ الله عَلَيْهِ- في هَذِا الْكِتابِ أَحادِيثَ كِتَابَيْنِ جَلِيلَيْنِ؛ أَحَدُهُما مُتَمِّمٌ للآخَرِ:
الأَوَّلُ: "مَصابِيحُ السُّنَّةِ"، للإمامِ الْحُسَينِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيِّ، الْمتَوَفّى سَنَةَ (٥١٦ هـ) -﵀-.
[ ٣ ]
وَهوَ مَطْبُوعٌ عِدَّةَ طَبَعاتٍ، أَجْوَدها الطَّبْعَةُ الّتي قامَ عَلَى تَحْقِيقِها الأَخُ الدّكتور يُوسف عبد الرّحمن الْمَرعشلي (^١) -وَرَفِيقاه- وَفقَهمُ الله-، وَنشِرَتْ في دَارِ المَعْرِفَةِ- بَيْروت، سَنَةَ (١٤٠٧ هـ)، وَوَقَعت في أَربعَةِ مُجَلّدات.
الثّانِي: "مِشْكاةُ الْمَصابِيح" (^٢)، للإمامِ مُحَمّد بْنِ عَبْدِ الله الْخَطِيبِ التَّبْرِيزِيّ، الْمتَوَفَّى سَنَةَ (٧٤١ هـ) -﵀-.
وهُوَ مطبوعٌ -أيضًا- عدةَ طبعاتٍ، أَجودُها الطبعةُ الّتي كانَ قد حقَّقها وخرَّجَ أَحاديثَها شيخنا العلامةُ الإمام أبو عبدِ الرحمنِ محمَّد ناصر الدين الألبانيُّ -المتوفّى سنةَ (١٤٢٠ هـ) -تغمّده الله برحمتهِ-، وطُبِعَتْ طبْعتُها الأُولى في المكتبِ الإِسلامي في دمشق (سنة ١٣٨١ هـ) في ثلاثةِ مجلدات.
ولَقَدْ كانَ عَمَلُ الحافظِ ابنِ حجَرٍ -﵀- موَجَّهًا إلى الجمع بيْنَ الكتَابَيْنِ، ودَمْجِ المادَّتَيْنِ، لِلْخروج بِكِتَابٍ جامعٍ لِفوائِدِهِما، مُغنٍ عَنْ كِلَيْهِما؛ فَكانَ لَهُ - رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ- ما أَرادَهُ، مُضِيفًا إلَيْهِ تَخرِيجاتِهِ الْمُخْتَصَرَةَ، النّافِعَةَ، الْمُفِيدَةَ.
_________________
(١) وَفي مُقَدِّمَتِهِ -جَزاهُ اللهُ خَيْرًا- (١/ ٦٣ - ٧٣) بَحْثٌ مُفِيدٌ حَوْلَ جُهودِ عُلَماءِ الْحَدِيثِ حَوْلَهُ- شَرْحًا وَتَخْرِيجًا-.
(٢) وَفي مَجلةِ "الْجامِعَةِ السّلَفِيّة" الصّادِرةِ في الهنْدِ مُجَلّد: ١٠، عَدَد: ٥ - شَهر رَجَب، سَنَةَ (١٣٩٨ هـ)، بَحْث نافِعٌ للشيخ رَفيع أَحمد السّلَفي حَولَ جُهُودِ عُلَماءِ الهِنْدِ -خاصّةً- في شَرح هَذا الكِتَابِ، وَتَخْرِيجِهِ. وَفي كِتَابِ "جُهود مُخْلِصَة في خِدْمَةِ السنةِ الْمُطَهرَة" (ص ٦٠ و١١٠ و١٣٨ و١٥٢ و١٥٦ و١٩٨ و٢٠٠ و٢١٣ و٢٢٩ و٣٢٥) لأخِينا الْكَبِيرِ الْفَاضلِ الشّيخ الدّكْتور عَبدِ الرّحِمَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبارِ الْفَريُوائِيِّ- نَفَعَ اللهُ بِهِ- إشاراتٌ غالِيَاتٌ حَولَ جُهودِ عُلَماءِ الْهِنْدِ -أَيضًا- حَولَ والمشكاةِ". قُلْتُ: وَفي كِتَابِ "الثقافَةِ الإسْلامِيةِ في الْهِنْدِ" (ص ١٣٥) للشيخ عَبْدِ الْحَي الْحَسَنِي -﵀- إشارَةٌ إلى كَبِيرِ اهْتِمامِ علَماءِ الْهِنْدِ بـ "الْمَصابِيح"، وَ"المشكاةِ"؛ بَلْ إلى اقْتِصارِ جُهلهم عَلَيهِما، أوْ أَحَدِهِما!!
[ ٤ ]
وَأَصْلُ كِتَابِنا هذا (^١) - "هِدايةُ الرّواة"- هو للصَّدْر المُنَاويّ (^٢) -شيخِ ابنِ حَجَر-، وقد تُوُفِّي الصَّدْرُ سنةَ (٧٤٨ هـ) -رحمَة الله-، واسم كتابهِ "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أَحاديثِ المصابيح"، وهو مخطوطٌ، منه عدَّةُ نُسَخٍ في مكتباتِ العالم- كما في "تاريخ الأدب العَربي" (٦/ ٢٤٧) لكارل بروكِلْمان-.
وانظر -له- "كشْفَ الظنون" (١٧٠١) لحاجيّ خليفة، و"الرسالةَ المسْتَطْرَفة" (١٨٧) للكتّاني.
وقد أوردتُ -في (طلائع الكتاب) - الآتِيَةِ بَعْدُ- مقدِّمَتَه تامَّةً، مُحَقِّقًا إِيّاها عن نسخةٍ مصورَةٍ وصَلَتْني مِنْ بَعضِ إخواني طلبَةِ العلمٍ في بلاد الحَرَمَين الشريفَيْنِ -صانَها الله-؛ فجَزاهُ الله خيرًا.
وأَمّا نُسْخةُ "هداية الرواة" -المخطوطةُ-؛ فأصْلها في تركيّا، في المكتبة الحميديَّةِ برقم ٤١٠، وهي مكوَّنةٌ مِنْ (٢١٥) ورقة.
وقد تكرّم بتصويرِها لي فضيلةُ الأَخ الشّيخ عبدِ الله بنِ صالح العُبَيْلان -نَفَعَ الله به، وزادَه مِنْ فضْلِه-.
وَبَعْدُ:
فَلَقَدْ كانتْ بدايةُ العَمل العلْمِيِّ في هذا الكتَابِ قَبْلَ ما يَقْربُ مِن ثلاثِ سَنَواتٍ؛ حيثُ كنتُ قد عَرَضْتُ على شيخنا أبي عبدِ الرحمنِ محمدٍ ناصر الدين الأَلبانيِّ فِكْرَةَ تَحْقيقهِ وَنشْرِهِ؛ فوافقَ ذلكَ قَبولًا عِنْدَهُ، ورحَّبَ بِه، وَدَفَعَ إِليَّ ما عِنْدَه من تخريجاتٍ وتعليقاتٍ؛ لإلحاقها في مواضِعها من حواشي "الهداية"، فجزاهُ الله كلَّ خيرٍ وأكملَه.
_________________
(١) انْظُر كَلامَ السّخَاوِيِّ -تلميذِ المُصَنفِ- في "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٦٧).
(٢) وَهُوَ -بَداهَةً- غَير (عَبْدِ الرّؤُوفِ الْمُنَاوِيّ)؛ الْمُتَوَفّى سَنَةَ (١٠٢١ هـ)!
[ ٥ ]
ولقد حالتْ ظروفُ مَرَضِ شيخِنا في السَّنَتَينِ الأخيرتَيْنِ -ثمّ وفاتِه- بعدُ -﵀- دونَ أنْ يكونَ مِنْه متابعةٌ حثيثةٌ -كما هو دأْبهُ وعادَتُه- لهذا العمَل؛ فاضطرّنا ذلك إلى (شيءٍ) مِنَ التأخير والتأخُّرِ … وَالْعُذْرُ عِنْدَ كِرامِ النّاسِ مَقْبُولُ.
ثم يشاءُ الله -تعالى- وَلَهُ الحمد على كلِّ حالٍ- أن لا يخْرُجَ هذا الكتابُ إلّا بعد وفَاتِه -تغمّدهُ الله برحمتهِ-.