مُقَدِّمَةُ الحَافِظِ صَدْرِ الدِّينِ المُنَاوِيِّ لِكِتَابِهِ "كَشْفِ المَنَاهِجِ وَالتَّنَاقِيحِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ المَصَابِيح"
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ كَاشِفِ مَصَابِيح الهُدَى، وَجَاعِلِهَا نَجَاةً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهَا وَاهْتَدَى؛ الَّذِي هَدَى قُلُوبَ أَوْليَائِهِ بَاقْتِفَاءِ آثَارِ نَبِيِّهِ المُصْطَفَى، وَرَسُولِهِ المُجْتَبَى، صلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ- أَهْلِ البِرِّ وَالوَفَا؛ صَلَاةً دَائِمَةً إِلَى يَوْمِ العَرْضِ وَالجَزَا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَجْمَعَ المُصَنَّفَاتِ المُخْتَصَرَاتِ في الأَخْبَارِ النَّبَوِيَّة، وَأَحْسَنَ المُؤَلَّفَاتِ الجَامِعَاتِ لِلآثَارِ المُحَمَّدِيَّة؛ كِتَابُ "المَصَابِيحِ"، جَمع العَلَّامَةِ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ البَغَوِيِّ شَكَرَ الله مَسْعَاه، وَجَعَلَ الجنةَ مَثْوَاه-.
وَهُوَ الكِتَابُ الذِي عَكَفَ عَلَيْهِ المُتَعَبِّدُون، وَاشْتَغَلَ بِتَدْرِيسِهِ الأَئِمَّةُ المُعْتَبَرُون، وَأَقَرَّ بِفَضْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ الفُقَهَاءُ وَالمُحَدِّثُون، وَقَالَ بِتَمَيُّزِهِ المُوَافِقُونَ وَالمُخَالِفُون.
[ ١٥ ]
لَكِنَّهُ لِطَلَبِ الاخْتِصَار لَم يَذْكُرْ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوَاةِ الآثَار، وَلَا تَعَرَّضَ لِتَخْرِيجِ تِلْكَ الأَخْبَار، بَل اصْطَلَحَ عَلَى أَنْ جَعَلَ الصِّحَاحَ هُوَ مَا في "الصَّحِيحَيْنِ" أَوْ أَحَدِهِمَا-، وَالحِسَانَ مَا لَيْسَ في واحدٍ مِنْهُمَا.
وَالْتَزَمَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَعِيفٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَا كَانَ مُنْكَرًا أَوْ مَوْضُوعًا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَا يشِيرُ إِلَيْهِ، فَوَقَعَ لَهُ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ ذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنَ الصِّحَاحِ وَلَيْسَتْ في وَاحِدٍ مِنَ "الصِّحِيحَيْنِ"! وَأَحَادِيثَ مِنَ الحِسَان وَهِيَ في أَحَدِ "الصُّحِيحَيْنِ"!! وَأَدْخَلَ في الحِسَانِ أَحَادِيثَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا وَهِيَ ضَعِيفةٌ وَاهِيَة؛ وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً في غَايَةِ السُّقُوطِ مُتَنَاهِيَهَ.
فَجَعَلْتُ مَوْضُوعَ كِتَابِي هذَا لِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ، وَنِسْبَةِ كُلِّ حَدِيثٍ إِلَى مُخَرِّجهِ مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ: "صَحِيحَيِ" البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنًّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَه إِنْ كَانَ فِيهَا، أَوْ في شَيْءٍ مِنْهَا-، وَرُبَمَّا أُضِيفُ إِلَيْهَا غَيْرَهَا.
فِإنْ لَمْ يَكُن الحَدِيثُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتبِ السِّتةِ: خَرَّجْتُهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ كـ "مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ"، وَ"مُوَطَّإِ مَالِكٍ"، وَ"مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ"، وَ"مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ"، وَلا أَبِي يَعْلَى الموصِليِّ"، وَ"سُنَنِ الدَّارَقُطنِيِّ"، وَ"سُنَنِ البَيهَقِيِّ"، وَ"شُعَبِ الإِيمَان" لَهُ-، وَ"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" لَهُ-، وَ"صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ"، وَ"مُسْتَدْرَكِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّه الحَاكِمِ"، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مَسَانِيدِ الأَئِمَةِ المُعْتَبَرِين، وَالعُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِين.
وَأُبيِّنُ الصَّحِيحَ، وَالحَسَنَ، وَالضَّعِيفَ، وَالمُسْنَدَ، وَالمُتَّصِلَ، وَالمَرْفُوعَ، وَالمَوْقُوفَ، وَالمَقْطُوعَ، وَالمُنْقَطِعَ، وَالمُعْضَلَ، وَالمُرْسَلَ، وَالشَّاذَّ، وَالمُنْكَرَ، وَالغَرِيبَ، وَالعَزِيزَ، وَالمَشْهُورَ، وَالُمعَلَّلَ، وَالمُضطَرِبَ، وَالمَوْضُوعَ، وَالناسِخ، وَالمُنْسُوخ.
وَأُبَيِّنُ جَرْحَ رُوَاتِهِ وَتَعْدِيلَهُمْ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتعْدِيلِ-، وَأَذْكُرُ اسْمَ الصُّحَابِيِّ الرَّاوِي، وَرُبَّمَا أَذْكُرُ غَيْرَهُ مِنْ رُوَاتِهِ- لأَمْرٍ اقْتَضَى ذلِكَ-، وَأُضِيفُ تَوْثِيقَ كُلِّ رَاوٍ أَوْ
[ ١٦ ]
تَجْرِيحَهُ إلَى مَنْ وَثقَهُ أَوْ جَرَّحَهُ، وَكُلَّ حَدِيث إِلَى مَن رَوَاهُ، وَفِي أَيِّ بَابٍ أَخْرَجَهُ؛ لِيَسْهُلَ مُرَاجَعَةُ أَصُولِهِ مَعَ شَرِيطَةِ الاخْتِصَارِ؛ فَإِنَّ الإِطَالَةَ تُورِثُ السَّآمَةَ.
وَإذَا كَانَ الحَدِيثُ في "الصَّحِيحَيْنِ" -أَوْ في أَحَدِهِمَا-: عَزَوْتُهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَتُ تَخْرِيجَ غَيْرِهِ كَالنَّافِلَةِ عَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ في وَاحِدٍ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" إِنْ صَحَّحَهُ إِمَامٌ مَعْتَبَرٌ، أَوْ ضَعَّفَهُ اكتَفَيتُ بِنَقْلِ تَصْحِيحِهِ أَوْ تَضعِيفِهِ عَنْه.
وَإنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْحِيح لِذلِكَ الحَدِيثِ وَلَا تَضْعِيفٍ؛ فَإنْ كَانَ في "أَبِي دَاوُدَ"- وَسَكَتَ عَلَيْهِ- فَهُوَ صَالِحٌ لِلاحْتِجَاجِ؛ فَأَنْسِبُهُ إِلَيْهِ، وَأَقُولُ: إِنَّهُ سَكَتَ عَلَيْهِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ أنَّهُ صَالِح لِلاحْتِجَاجِ؛ لأنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْهُ أنَّهُ يَذْكُرُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ، وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ.
وِإنْ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ في "أَبِي دَاوُدَ"، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ إِمَامٌ، وَلَا ضَعَّفَهُ: اعْتَبَرْتُ سَنَدَهُ، وَتَكَلَّمْتُ عَلَى رِجَالِهِ، وَكَشَفْتُ حَالَ مَنْ يَحْتَاجُ الحَدِيثُ إِلَى كَشْفِهِ.
وَحَيْثُ أَقُولُ: رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ؛ فَهُمْ: أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنِّسَائِيُّ.
وَحَيْث أَقُولُ: رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ؛ فَهُمْ مَعَ ابْنِ مَاجَه-.
وَحَيْثُ أَقُولُ: رَوَاهُ الجَمَاعَةُ؛ فَهُمْ مَعَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ-.
وَقَدْ أَتَعَرَّضُ إِلَى ضَبْطِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى ذلِكَ-، وَكَذلِكَ اسْمُ الرَّاوِي.
وَأَتَعَرَّضُ أَيْضًا إِلَى ذِكْرِ فَوَائِدَ مُهِمَّات، وَإلَى تَنْبِيهَات؛ كَالتَّتِمَّات، وَإلَى بِيَانِ أَوْهَامٍ وَقَعَتْ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الرِّوَايَات.
وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هذَا الكِتَابُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِلْمُتَعَبِّدِينَ في طَلَبِ الصَّوَابِ، وَعُمْدَةً لِلْفُقَهَاءِ في الاسْتِدْلَال، وَمُوصِلًا لَهُمْ إِلَى أَقصَى الآمَال، وَقَدْ سَمَّيْتهُ: "كَشْفَ المَنَاهِجِ وَالتَنَاقِيحِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ المَصَابِيح".
[ ١٧ ]
وَالله يَجْعَلُهُ أَحْسَنَ زَادٍ إِلَى المَسِيرِ إِلَيْه، وَأَعْظَمَ عُدَّةٍ لِيَوْمِ القُدُومِ عَلَيْه؛ فَإِنّهُ تَعَالَى بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيل، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيل.
وَهَا أَنَا أَذْكُرُ مُقَدِّمَةً تُشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأَوَّلُ: في ذِكْرِ تَرْجَمَةَ البَغَوِيِّ؛ لِيُعْرَفَ قَدْرُ جَلَالِهِ.
الفَصْلُ الثَّانِي: في ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظٍ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا اصْطَلَحَ عَلَيْهَا المُحَدِّثُونَ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا؛ لِتَكُونَ عَوْنًا لِلناظِرِ في هذَا التَّألِيفِ.
الفَصْلُ الثالِثُ: في نَصِّ خُطْبَةِ "المَصَابِيحِ"، وَمَا الْتَزَمَهُ في غُرَّةِ دِيبَاجَتِهِ لِيُعْلَمَ مَضْمُونُ قَرَارِه، وَمَكْنُونُ مَصُونِ أَسْرَارِه؛ حَتى لَا يَخْلُوَ هذَا الكِتَابُ عَنْ مَجْمُوعِ مَا في "المَصَابِيحِ".
[ ١٨ ]