مُوجَزُ تَرْجَمَةِ الْحافِظِ ابْن حَجَرٍ العَسْقَلانِيِّ (^١) -﵀-
- أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، الشهَابُ، أبو الْفَضْلِ الْكِنَانِيُّ الْعَسْقَلَانِيُّ، الْقَاهِريُّ الشّافِعِيُّ؛ المَعْرُوفُ بابْنِ حَجَرٍ -وَهُوَ لَقَبٌ لِبَعْضِ آبائِهِ-.
- الْحافِظُ، الْكَبِيرُ، الشَّهِيرُ، الإمَامُ، الْمُنْفَرِدُ بِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ وَعِلَلِهِ -في الأَزْمِنَةِ الْمُتَأخِّرَةِ-.
- وُلِدَ في ثانِي عَشَر شَعْبانَ سَنَةَ (٧٧٣) ثَلاثٍ وَسَبعِينَ وَسَبْعِمائَةٍ بِمِصْرَ، وَنَشأ بِها يَتِيمًا في كَنَفِ أَحَدِ أَوْصِيائِهِ (^٢).
فَحَفِظَ الْقُرآنَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ، ثُمَّ حَفِظَ "الْعُمْدَةَ" وَ"أَلْفِيَّةَ الْحَدِيثِ"- لِلْعِراقِيِّ-، وَ"الْحَاوِي الصَّغِيرَ" (^٣) وَ"مخْتَصَرَ ابْنِ الْحاجِبِ في الأُصُولِ"، وَ"الْمُلْحَةَ".
وَبَحَثَ في ذَلِكَ عَلَى الشُّيُوخ، وَتَفَقَّهَ بالْبُلْقِينِي، وَالْبَرْماوِي، وَابْنِ الْمُلَقّنِ، وَالْعِزُ ابْنِ جَمَاعَةَ؛ وَعَلَيْهِ أَخَذَ غالِبَ الْعُلُومِ الآلِيَّةِ، وَالأُصُولِيَّةِ؛ كـ "الْمِنْهاجِ"، وَ"جَمْع الْجَوامِع"، وَ"شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ"، وَ"الْمُطَوَّلِ".
_________________
(١) مُخْتَصَرَةٌ: مِنَ "الْبَدْرِ الطالِع" (١/ ٨٧ - ٩٢) للإمام الشّوْكانِيِّ -﵀-. وَمَصادِرُ تَرْجَمَتِهِ كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا.
(٢) هُوَ الزَّكيُّ الْخرُّوبِي، توِفِي سَنَةَ (٧٨٧ هـ). وَقَد تَرْجَمَهُ مُؤَلّفُنا -﵀- في "الدُّرَر الْكامِنَة" (١/ ٤٥٠).
(٣) هُو لِنَجْمِ الدّينِ عَبْدِ الْغَفارِ الْقَروِيني، الْمُتَوَفّى سَنَةَ (٦٦٨ هـ) -كَمَا في "شَذَراتِ الذَّهَب" (٥/ ٣٢٧)، وَانظُرْ "كَشْف الظُّنون" (١/ ٦٢٥).
[ ٤٣ ]
- ثُمَّ حَبَّبَ اللَّه إلَيْهِ فَنَّ الْحَدِيثِ؛ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، وَطَلَبَهُ سَنَةَ (٧٩٣) - وَمَا بَعْدَها-، فَعَكَفَ عَلَى الزّيْنِ الْعِراقِيِّ، وَحَمَلَ عَنْه جُمْلَة نافِعَةً مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ؛ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَعِلَلًا وَاصْطِلاحًا.
- وَارْتَحَلَ إلى بِلادِ الشّامِ، وَالْحِجَازِ، وَالْيَمَنِ، وَمَكَّةَ، وَمَا بَيْنَ هَذِهِ النَّواحِي.
وَأكْثَرَ -جِدًّا- مِنَ الْمَسْمُوعِ، وَالشُّيُوخِ، وَسَمِعٍ الْعالِي وَالنّازِلَ، وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ، وَأَدْرَكَ مِنَ الشُّيُوخِ جَماعَة؛ كُلُّ وَاحِدٍ رأْسٌ في فَنِّهِ الّذي اشْتُهِرَ بِهِ:
فالتَّنُّوخِيُّ: في مَعْرِفَةِ الْقِراآتِ، وَالْعِراقِيُّ: في الْحَدِيثِ، وَالْبُلْقِينِيُّ: في سَعَةِ الْحِفظِ وَكَثْرَةِ الاطِّلاع، وَابْنُ المُلَقَّنِ: في كَثْرَةِ التَّصانِيفِ، وَالْمَجْدُ -صاحِبُ "الْقامُوسِ"- في حِفْظِ اللُّغةِ، وَالْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ: في تَفَنُّنِهِ في عُلُومٍ كَثِيرَةٍ؛ بِحَيْثُ كانَ يَقُولُ: "أَنا أَقْرأُ في خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا؛ لا يَعُرِفُ عُلَماء عَصْرِي أَسْماءَها"!
- ثُمَّ تَصَدَّى لِنَشْرِ الْحَدِيثِ، وَقَصَرَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؛ مُطَالَعَةً، وَتَصْنِيفًا، وَإفْتِاءً، وَتَفَرَّدَ بِذَلِكَ.
وَشَهِدَ لَهُ بالْحِفْظِ وَالإتْقانِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَالْعَدُوُّ وَالصُّدِيقُ؛ حَتّى صارَ إطْلاقُ لَفْظِ (الْحَافِظِ) -عَلَيْهِ- كَلِمَةَ إجْماعٍ.
- وَرَحَلَ الطَّلَبَةُ إلَيْهِ مِنَ الأَقْطارِ، وَطارَتْ مُؤَلَّفَاتُهُ في حَيَاتِهِ، وَانْتَشَرَتْ في الْبِلادِ، وَتَكاتَبَتِ الْمُلُوكُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ في شأْنِها.
وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ مِنْها ما كَمَلَ، وَمِنْها ما لَمْ يَكْمَلْ.
[ ٤٤ ]
وَقَدْ عَدَّدَها السَّخَاوِيُّ في "الضَّوْءِ اللامِع" (^١)، وَكَذَلِكَ عَدَّدَ مُصَنّفاتِهِ في: الأَربعِينِيّاتِ، وَالْمَعاجِمِ، وَتَخْرِيج الشيوخِ، وَالأَطرافِ، وَالطرُقِ، وَالشُّرُوح، وَعُلُومِ الْحَدِيثِ وَفُنونِهِ وَرجَالِهِ؛ في أوْراقٍ مِنْ "ترْجَمَتِهِ" (^٢).
وَنَقَلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
"لَسْتُ راضِيًا عَنْ شَيءٍ مِنْ تَصَانِيفِي؛ لأنَّي عَمِلْتُها في ابْتِداءِ الأَمْرِ، ثُم لَمْ يَتَهَيَّأ لِي مَنْ يُحَرّرُها مَعِي (^٣)؛ سِوَى "شَرْح الْبُخارِيُ" وَ"مُقَدِّمَتِهِ"، وَ"الْمُشْتَبِهِ"، وَ"التَّهْذِيبِ"، وَ"لِسانِ الْمِيزانِ".
وَوَوَى عَنْهُ في مَوضِع آخَرَ؛ أنة أَثْنَى عَلَى "شَرْحِ الْبُخارِيّ" وَ"التغْلِيقِ"، وَ"النَّخْبَةِ".
- وَلا ريبَ أَنَّ أَجَل مُصَنّفاتِهِ "فَتْحُ الْبَارِي"، وَكانَ شرُوعُهُ في تَضنِيفِهِ سَنَةَ (٨١٧) عَلَى طَرِيقِ الإمْلاءِ، ثم صارَ يَكْتُبُ مِنْ خَطِّهِ؛ يُدَاوِلُة بَيْنَ الطَّلَبَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ وَالاجْتِماعُ في يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ لِلْمُقابَلَةِ وَالْمُباحَثَةِ، إلى أَنِ انْتَهَى في أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، سَنَةَ (٨٤٢)؛ سِوَى ما أَلْحَقَهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجاءَ بخَطِّهِ في ثَلاثَةَ عَشَرَ سِفْرًا، وَبُيَّضَ في عَشَرَةٍ، وَعِشْرِينَ، وَثَلاثِينَ، وَأَقَلَّ، وَأكثَرَ.
وَقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذِهِ التسْمِيَةِ شَيْخُهُ صَاحِبُ "الْقَامُوسِ"؛ فإنَّهُ وُجِدَ لَهُ في أَسْماءِ مُصَنّفاتِهِ أَنَّ مِن جُمْلَتِها"فَتْحَ الْبارِي (^٤) في شَرْح صَحِيح الْبُخاري"، وَأنَّهُ كَمَلَ رُبْعُهُ في عِشْرِينَ مُجَلّدًا.
_________________
(١) (٢/ ٣٩).
(٢) هِيَ "الْجَواهرُ وَالدُّرر"، وَقدْ طُبِعت قَريبًا بِتَحْقِيق صَديقِنا الأَخ إبرهيم باجس عَبدِ الْحَميدِ- سَدّدهُ اللهُ- في ثلاثةِ مُجَلّدات؛ فانْظُر (٢/ ٦٥٩ - ٧١٥) -مِنْهُ-.
(٣) هَذا يَدُلكَ عَلَى التَّعَاوُنِ (الصّادِقِ) بَيْن الْعُلَماء، وَتَلامِيذِهِم …
(٤) في حاشِيةِ "الأَصْلِ" ما نَصُّة: "الّذي في ذِهْني عَنِ القَسْطَلانِي أَنَّ مَجْدَ الدّينِ سمَّي شَرْحهُ: "منحَ =
[ ٤٥ ]
- وَلَهُ مُؤَلَّفاتٌ في الْفِقْهِ وَأُصولِهِ، وَالَعَرُوضِ، وَالآدَابِ؛ سَرَدَها السَّخَاوِيُّ، وَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّها تَهادَتْ تَصانِيفَهُ الْمُلُوكُ؛ بِسُؤَالِ عُلَمَائِهِمْ لَهُمْ في ذَلِكَ؛ حَتّى وَرَدَ كِتَابٌ وفي سَنَةِ (٨٣٣) مِنْ شاه رُخ (^١) بن تيمور مَلِكِ الشَّرْقِ؛ يستدعي مِنَ السُّلْطانِ الأَشْرَفِ برْسْباىِ هَدَايا -مِنْ جُمْلَتِها: "فَتْحُ الْبارِي"-؛ فَجَهزَ لَه صاحِبُ التَّرْجَمَةِ ثَلاثَ مُجَلَّداتٍ مِنْ أَوائِلِهِ، ثُمَّ أَعادَ الطلَبَ في سَنَةِ (٨٣٩)، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ كَمَلَ؛ فأَرْسَلَ إلَيْهِ -أَيْضًا- قِطْعَةً أُخْرَى.
ثُمَّ في زَمَنِ الظّاهِرِ جُقْمُق جُهِّزَتْ لَه نُسْخَةٌ كامِلَةُ.
وَكَذا وَقَعَ لِسُلْطانِ الْغَرْبِ أَبي فارِسٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَفصِيِّ؛ فإنهُ أَرْسَلَ يَسْتَدْعِيهِ، فَجَهَّزَ لَهُ ما كَمَلَ مِنَ الْكِتَابِ، وَكانَ يُجَهِّزُ لِكَتَبَةِ "الشَّرْحِ"- وَلِجَماعَةِ مَجْلِسِ الإمْلاءِ- ذَهَبًا يُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ.
هَذا وَمُصَنِّفُهُ حَيٌّ -﵀-.
- وَلَمّا كَمَلَ "شَرْحُ الْبُخَارِيّ" -تَصْنِيفًا وَقِراءَةً- عَمِلَ مُصَنِّفُهُ -﵀- وَلِيمَةً عَظِيمَةً بالْمَكَانِ الذي بَنَاة الْمُؤَيَّدُ -خارِجَ الْقاهِرَةِ- في يَوْمَ السّبْتِ ثامِنِ شَعْبانَ سَنَةَ (٨٤٢)، وَقَرأَ الْمَجْلِسَ الأَخِيرَ هُنالكَ؛ وَجَلَسَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْكُرْسِيِّ.
قالَ تِلْمِيذُة السَّخَاوِيُّ: "وَكانَ يَوْمًا مَشْهُودًا؛ لَمْ يَعْهَدْ أَهْل الْعَصْرِ مِثْلَهُ؛ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْعُلَماءِ، وَالْقُضاةِ، وَالرُّؤَساءِ، وَالْفُضَلاءِ، وَقالَ الشُّعَرَاءُ في ذَلِكَ فأَكْثَرُوا، وَفُرِّقَ
_________________
(١) = الباري" -بالمِيمِ بدل الفاء، وَأَنّ الحافِظَ ابنَ حجَرٍ اطَّلَعَ علَيهِ وَلَمْ يَرْتَضهْ؛ لِكَثْرَةِ نَقْلِهِ عَنِ ابنِ عربيٍّ؛ فليسَ كَما ذَكَرَهُ الْمُؤَلفُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-، مِنْ خطّ الْقاضي مُحمّدِ بْنِ عبدِ المَلِك". قالَ عَلِيٌّ -كان اللهُ لَهُ-: نَعَمْ؛ لِلْحافِظِ ابنِ رَجَب الْحنْبَليّ - المُتَوَفّى سَنَةَ (٧٩٥ هـ) شَرْحٌ لـ "الصّحِيح" بِعُنوان: "فَتح الْبارِي"؛ فَتَأمّلْ.
(٢) مِنَ اللّسانِ الفارِسيِّ، بِمَعْنى: المَلِك الشّجاع.
[ ٤٦ ]
عَلَيْهِمُ الذَّهَبُ، وَكانَ الْمُسْتَغْرَقُ في الْوَلِيمَةِ نَحْوَ خَمْسِمائَةِ دِينارٍ، وَوَقَعَتْ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مُطارَحَةٌ أَدَبِيَّةُ … ".
- وَكانَ لِلْمُتَرْجَمِ لَهُ يدٌ طُولَى في الشِّعْرِ (^١)؛ قَدْ أَوْرَدَ مِنْهُ جَمَاعَة مِنَ الأُدَباء الْمُصَنفِينَ أَشْياءَ حَسَنَةً جِدًّا؛ كابْنِ حَجّة في "شَرْح الْبَدِيعِيَّةِ" وَغيره، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ في ذَلِكَ.
وَأوْرَدَ لَه السّخَاوِيُّ في "الضّوْءِ الّلامِع" قَولَهُ:
خَليلَىَّ وَلَّي العمرُ منّا وَلم نَتُب … وَنَنوي فِعالَ الصّالِحاتِ وَلكِنّا
فَحتّى مَتى نبنى الْبيوتَ مَشِيدَةً … وَأَعْمازنا منّا تُهَدُّ وما تُبْنَى
- وَقَدْ كانَ -﵀- مُصَمِّمًا عَلَى عَدَمِ الدُّخولِ في الْقَضَاءِ، ثُمَّ قُدِّرَ أَن الْمُؤَيَّدَ وَلّاهُ الْحُكْمَ في بَعْضِ الْقَضايا، ثُم عَرَضَ عَلَيْهِ الاستِقلالَ بِهِ، وَأُلْزِمَ مِنْ أَحِبّائِهِ بَقبولِهِ؛ فَقَبِلَ، وَاسْتَقَرَّ في الْمحرمِ سَنَةَ (٨٢٧) بَعْدَ أَنْ كانَ عُرِضَ عَلَيْهَ وَهُوَ يأبى، وَتَزَايَدَ نَدَمُهُ عَلَى الْقبولِ؛ لِعَدَمِ فرْقِ أَرْبابِ الدَّوْلَةِ بَيْنَ الْعُلَماءِ وَغَيْرهِمْ، وَمُبالَغَتِهِمْ في اللَّوْمِ لِرَدِّ إشارَاتِهْمِ، وَإنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَفْقِ الْحَقِّ (^٢)، وَاحْتِياجه لِمُدَارَاةِ كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ؛ بِحَيْثُ لا يُمكِنُهُ مَعَ ذَلِكَ الْقِيامُ بِمَا يَرُومونه! وَصَرَّحَ بأنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ صُرِفَ، ثُم أُعِيدَ، وَلا زالَ كَذَلِكَ إلى أَنْ أَخْلَصَ في الإقْلاع عَنهُ عَقِبَ صَرْفِهِ في جُمادَى الآخِرَةَ سَنَةَ (٨٥٢).
وَجَمِيعُ مُدَدِ قَضائِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَزَهِدَ في الْقَضاءِ زُهْدًا كَبِيرًا؛ لِكَثْرَةِ ما تَوالَى عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ وَالأَنْكادِ بِسَبَبِهِ، وَصَرَّحَ بأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في بَدَنِهِ شَعْرَةُ تَقْبَلُ اسْمَهُ!
_________________
(١) وَللأستاذِ محمَّد يوسف أيُّوب كِتابٌ مفِيدٌ، بِعُنوان:"الحافظُ ابن حجَر العسقَلانِيُّ؛ حياتهُ وَشِعْرُهُ" نشْرُ مكْتَبَةِ الأَدِيب (١٤١٩ هـ) في الرّياض.
(٢) هَذا في زَمَانِهِ! فَكَيفَ في زَمانِنا؟! اللّهُمَّ عَفْوَكَ …
[ ٤٧ ]
- وَقَدْ دَرَّسَ بِمَواطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَاشْتهِرَ ذِكْرُهُ، وَبَعُدَ صِيتُهُ، وَارْتَحَلَ إلَيْهِ الْعُلَماءُ، وَتَبَجَّحَ الأَعْيان بلِقائِهِ وَالأَخْد عَنْهُ.
وَأَخَذَ النّاسُ عَنْهُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، وَأَلْحَقَ الأَصاغِرَ بالأَكَابِرِ، وَامْتَدَحَهُ الْكِبَارُ، وَتَبَجَّحَ فُحُولُ الشُّعَراءِ بِمُطَارَحَتِهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى طَرِيقَتِهِ حَتّى ماتَ في أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ (٨٥٢) اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَمانِ مائَةٍ.
- وَكانَ لَهُ مَشْهَدٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ منْ حَضَرَهُ مِنَ الشيوخ فَضْلًا عَمّنْ دُونَهُمْ.
وَشَهِدَهُ أَمِير الْمُؤْمِنينَ وَالسّلْطَانُ -فَمَنْ دُونَهُما-، وَقُدِّمَ الْخَلِيفَةُ للصّلاةِ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ تُجاهَ تُرْبةِ الدَّيْلَمِيِّ بالْقَرافَةِ، وَتَزاحَمَ الأُمَراءُ وَالْكُبراءُ عَلَى حَمْلِ نَعْشِهِ.
[ ٤٨ ]