فإذا طهرت من حيضها وانقطع الدم عنها جاز له وطؤها بعد أن تغسل موضع الدم منها فقط أو تتوضأ أو تغتسل أي ذلك فعلت جاز له إتيانها٢ لقوله تبارك
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود رقم ٢٦٢ من صحيحه والسياق له وسنده صحيح على شرط مسلم وصححه ابن عبد الهادي وقواه ابن حجر والبيهقي ١/٣١٤ والزيادة له. ٢ وهو مذهب ابن حزم ١٠/٨١ ورواه عطاء وقتادة قالا في الحائض إذا رأت الطهر: أنها تغسل فرجها ويصيبها زوجها وهو مذهب الأوزاعي أيضا كما في "بداية المجتهد" ١/٤٤. قال ابن حزم: "وروينا عن عطاء أنها إذا رأت الطهر فتوضأت حل وطؤها لزوجها وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا". =
[ ١٢٥ ]
وتعالى في الآية السابقة:
_________________
(١) = وما ذكره عن عطاء رواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/٦٦. وروى ابن المنذر عن مجاهد وعطاء قالا: "إذا أردت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء ويأتيها قبل أن تغتسل". ذكره الشوكاني ١/٢٠٢. وقال الحافظ ابن كثير ١/٢٦٠: "وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر عليها بشرطه إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل". أقول: فهذا الاتفاق المذكور غير صحيح بعد أن علمت أن ثلاثة من كبار علماء التابعين مجاهد وقتادة وعطاء قالوا بجواز إتيانها ولو لم تغتسل فكيف يصح اتفاق وهؤلاء على خلافه؟! وإن في ذلك لعبرة للعاقل أن لا يتسرع في دعوى الاتفاق على شيء لصعوبة التحقق منه وأن لا يبادر إلى تصديقها ولا سيما إذا كانت مخالفة للسنة أو الدليل الشرعي. ثم إن ما حكاه ابن كثير عن أبي حنيفة فد حكاه غيره أيضا =
[ ١٢٦ ]
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) = متعقبين له رادين عليه فقد وصفه ابن جزم بأنه: "لا قول أسقط منه لأنه تحكم بالباطل بلا دليل أصلا ولا نعلم أحدا قاله قبل أبي حنيفة ولا بعده إلا من قلده". وقال القرطبي ٣/٧٩: "وهذا تحكم لا وجه له". ولهذا قال السيد رشيد رضا: "وهو تفصيل غريب". ووجه ذلك أن الله ﵎ اشترط لحل إتياهن أن يتطهرن وهو استعنال الماء وهو أمر زائد على طهرهن من الحيض كما سبق فلا يجوز إلغاء هذا الشرط أو تخصيصه بما إذا انقطع قبل العشرة وإنما هو رأي لأبي حنيفة ﵀ بدا له لا يجوز لنا الأخذ به لمخالفته إطلاق الآية وهو ﵀ قد قال فيما صح عنه: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا"*. فكيف يجوز لنا الأخذ بقوله وقد علمنا مخالفته للدليل؟! = * انظر تخريجه في كتابنا "صفة صلاة النبي ﷺ" ص ١٨ – ١٩ من الطبعة الرابعة طبع المكتب الإسلامي.
[ ١٢٧ ]
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
_________________
(١) = ثم اعلم أننا إنما خيرنا بين "أن تغسل الدم أو تتوضأ أو تغتسل لأن اسم "التطهر" يقع على كل من هذه الأمور الثلاثة قال ابن حزم: "الوضوء تطهر بلا خلاف وغسل الفرج بالماء تطهر كذلك وغسل جميع الجسد تطهر فبأي هذه الوجوه تطهرت التي رأت الطهر من الحيض فقد حل به لنا إتيانها وبالله التوفيق". وفي مثل المعنى الثاني وهو غسل الفرج بالماء نزل قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فإن النراد المتطهرين من الغائط فقد صح أنه لما أنزلت هذه الآية قال ﷺ لأهل قباء: "إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الذي تطهورن به؟ " قالوا: والله يا رسول الله مانعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. قال: "هو ذاك فعليكم به" *. وقد استعمل التطهر بنفس هذا المعنى في حديث عائشة = * صححه الحاكم والذهبي وقد خرجت طرقه وتكلمت عليها في فضل مسجد النبي من كتاب الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب.
[ ١٢٨ ]
_________________
(١) = ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض؟ فأمرها كيف تغتسل قال: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها". قالت: كيف أتطهر؟ قل: "تطهري بها"! قالت: كيف؟ قال: "سبحان الله تطهري"! فاجتذبتها إلي فقلت: تتبعي بها أثر الدم. رواه البخاري ١/٢٢٩ – ٣٣٠ ومسلم ١/١٧٩ وغيرهما. وبالجملة فليس في الدليل ما يحصر معنى قوله ﷿: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ بالغسل فقط فالآية مطلقة تشمل المعاني الثلاثة السابق فبأيها أخذت الطاهر حلت لزوجها ولا أعلم في السنة ما يتعلق بهذه المسألة سلبا أو إيجابا غير حديث ابن بعاس مرفوعا: "إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار وإذا وطئها وقد رأت الطهر ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار" ولكنه حديث ضعيف فيه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية وهو مجمع على ضعفه ومن ظنه عبد الكريم الجرزي أبا سعيد الحراني الثقة فقد وهم كما حققته في صحيح سند أبي داود رقم ٢٥٨ ثم إن في متنه اضطرابا يمنع من الاحتجاج به لو صح سنده فكيف وهو ضعيف؟!
[ ١٢٩ ]