ويستحب لمن حضر الدعوة أمران:
الأول: أن يدعو لصاحبها بعد الفراغ بما جاء عنه ﷺ وهو أنواع:
أ - عن عبد الله بن بسر أن أباه صنع للنبي ﷺ طعاما فدعاه فأجابه فلما فرغ من طعامه قال:
"اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم" ٢.
_________________
(١) ٢ رواه ابن أبي شيبة ١٢/١٥٨/١ - ٢ ومسلم ٦/١٢٢ وأبو داود ٢/١٣٥ والنسائي في الوليمة ٦٦/٣ والترمذي ٤/٢٨١ وصححه والبيهقي ٧/٢٧٤ وأحمد ٤/١٧٨ – ١٨٨ و١٩٠ واللفظ له وابن السني رقم ٤٧٠ والطبراني ١/١١٦/١ وعنه ابن عساكر ٨/١٧١ و٢/٩ و٣/١ – ٢.
[ ١٦٦ ]
ب - عن المقداد بن الأسود قال: قدمت أنا وصاحبان لي على رسول الله ﷺ. فأصابنا جوع شديد فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فانطلق بنا رسول الله ﷺ إلى منزله وعنده أربع أعنز فقال لي: "يا مقداد جزئ ألبانها بيننا أرباعا" فكنت أجزئه بيننا أرباعا [فيشرب كل إنسان نصيبه ونرفع لرسول الله ﷺ نصيبه] فاحتبس رسول الله ﷺ ذات ليلة فحدثت نفسي أن رسول الله ﷺ قد أتى بعض الأنصار فأكل حتى شبع وشرب حتى روي فلو شربت نصيبه "! " فلم أزل كذلك حتى قمت إلى نصيبه فشربته "! " ثم غطيت القدح فلما فرغت أخذني ما قدم وما حدث فقلت: يجيء رسول الله ﷺ جائعا ولا يجد شيئا فتسجيت١ [قال: وعلي شملة من صوف كلما رفعت على رأسي خرجت قدماي وإذا أرسلت على قدمي خرج رأسي قال:] [وجعل لا يجيئني النوم] وجعلت أحدث نفسي [قال: وأما صاحباي فناما] فبينا أنا
_________________
(١) ١ أي: تغطيت يعني: يريد أن ينام.
[ ١٦٧ ]
كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فسلم تسليمة يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم [ثم أتى المسجد فصلى] ثم أتى القدح فكشفه فلم ير شيئا فقال:
"اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني"، واغتنمت الدعوة [فعمدت إلى الشملة فشددتها علي] فقمت إلى الشفرة١ ١ فأخذتها ثم أتيت الأعنز فجعلت أجتسها٢ أيها اسمن [فأذبح لرسول الله ﷺ] فلا تمر يدي على ضرع واحدة إلا وجدتها حافلا٣ [فعمدت إلى إناء لآل محمد ما كانوا يطمعون أن يحلبوا فيه] فحلبت حتى ملأت القدح ثم أتيت [به] رسول الله ﷺ [فقال: "أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ " قال:] فقلت: اشرب يا رسول الله! فرفع رأسه إلي فقال: "بعض سوآتك يا مقداد ما الخبر؟ " قلت: اشرب ثم الخبر فشرب حتى روي ثم ناولني فشربت فلما
_________________
(١) ١ هي السكين العظيمة العريضة. ٢ أي: أمسها بيدي. ٣ أي: ممتلئا لبنا.
[ ١٦٨ ]
عرفت أن رسول الله ﷺ قد روي وأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض فقال: "ما الخبر؟ " فأخبرته فقال: "هذه بركة نزلت من السماء فهلا أعلمتني حتى نسقي صاحبينا؟ " فقلت: [والذي بعثك بالحق] إذا أصابتني وإياك البركة فما أبالي من أخطأت١.
الثاني: عن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ [كان يزور الأنصار فإذا جاء إلى دور الأنصار جاء صبيان الأنصار يدورون حوله فيدعوا لهم ويمسح رؤوسهم ويسلم عليهم فأتى إلى باب سعد بن عبادة فـ] استأذن على سعد فقال: "السلام عليكم ورحمة الله" فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثا ورد عليه سعد ثلاثا ولم يسمعه [وكان النبي ﷺ لا يزيد فوق ثلاث تسليمات فإن أذن له
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٦/١٢٨ - ١٢٩ وأحمد ٦/٢ و٣ و٤ – ٥ والسياق له وابن سعد ١/١٨٣ – ١٨٤ وروى وبعضه الترمذي ٣/٣٩٤ وصححه والحربي في "الغريب" ٥/١٨٩/١.
[ ١٦٩ ]
وإلا انصرف] فرجع النبي ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة [فادخل يا رسول الله] ثم أدخله البيت فقرب له زبيبا فأكل نبي الله ﷺ فلما فرغ قال:
"أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون" ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٣/١٣٨ وأبو علي الصفار في حديثه والطحاوي في المشكل ١/٤٩٨ – ٤٩٩ والزيادات له والبيهقي ٧/٢٨٧ وابن عساكر ٧/٥٩ - ٦٠ وإسنادهم صحيح ولأبي داود منه ٢/١٥٠ وكذا ابن السني رقم ٤٧٦ الدعاء فقط وصححه العراقي في التخريج ٢/١٢ وابن الملقن في الخلاصة ومن قبلهما عبد الحق في أحكامه ١٩٤/٢ وعندهما جملة: "أفطر " في أول الحديث وكذا رواه ابن ماجه ١/٥٣١ والطبراني ٦٩/٢٠٤/٢ والخطيب في الموضح ٢/٧٢ من حديث مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال: أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ فقال: فذكره. لكن مصعب هذا ضعيف كما قال البوصيري في الزوائد.
[ ١٧٠ ]
_________________
(١) "تنبيه": عزا الذهبي في العلو ص ٦٣ – طبع الأنصار هذا الحديث لـ "الصحيحين" بزيادة في آخره":وذكركم الله فيمن عنده" وكل ذلك وهم فليس هو في الصحيحين ولا فيه هذه الزيادة في شيء من طرقه التي وقفت عليها. واعلم أن هذا الذكر ليس مقيدا بالصائم بعد إفطاره بل هو دعاء لصاحب الطعام بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عنده وينال أجر إفطارهم فهو كالجملتين الأخريين: "أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة" وهو بالنسبة إلينا لا يمكن أن يكون إلا دعاء كما لا يخفى وليس في الحديث التصريح بأنه ﷺ كان صائما فلا يجوز تخصيصه بالصائم وقوله في حديث ابن الزبير: "أفطر رسول الله " لا يحتج به لضعف السند إليه كما سبق وإن كان روي ذلك عن أنس أيضا أخرجه ابن أبي شيبة ٢/١٨١/٢ وأحمد والنسائي في تاب الوليمة ٦٦/٢ وابن الأعرابي في المعجم ٣٩/٣ وأبو نعيم ٣/٧٢ عن يحيى بن أبي كثير عن أنس. وقال النسائي: "يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أنس". ثم ساقه هو وابن المبارك في الزهد ٢٢١/٢ من طرق أخرى عنه قال: حدثت عن أنس فهذا منقطع.
[ ١٧١ ]
الأمر الثاني: الدعاء له ولزوجه بالخير والبركة وفيه أحاديث:
الأول: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت امرأة ثيبا فقال لي رسول الله ﷺ: "تزوجت يا جابر؟ " فقلت: نعم فقال: "أبكرا أم ثيبا" قلت: بل ثيبا قال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك؟ " فقلت له: إن عبد الله هلك وترك [تسع أو سبع] بنات وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن فقال:
"بارك الله لك" أو قال لي خيرا١.
_________________
(١) وله طريق آخر عن أنس رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/٢٨٠ عن عبد الحكيم بن زياد عنه به مرفوعا وزاد في آخره: "اللهم اجعل صلواتك على آل سعد بن عبادة". وسنده ضعيف فيه من لا يعرف وعيسى بن شعيب وهو متروك وعبد الحكيم بن زياد لم أعرفه. ١ رواه البخاري ٩/٤٢٣ والسياق له ومسلم ٤/١٧٦ والزيادة له وفي الباب عن أنس وقد مضى في المسألة ١٦.
[ ١٧٢ ]
الثاني: عن بريدة ﵁ قال: قال نفر من الأنصار لعلي: عندك فاطمة فأتى رسول الله ﷺ فسلم عليه فقال: "ما حاجة ابن أبي طالب؟ " فقال: يا رسول الله! ذكرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: "مرحبا وأهلا" لم يزد عليهما فخرج علي بن أبي طالب على أولئك الرهط من الأنصار ينتظرونه قالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: مرحبا وأهلا فقالوا: يكفيك من رسول الله ﷺ إحداهما أعطاك الأهل والمرحب فلما كان بعد ذلك بعدما زوجه قال: يا علي إنه لا بد للعروس١ من وليمة فقال سعد: عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار أصوعا من ذرة فلما كانت ليلة البناء قال: لا تحدث شيئا حتى تلقاني فدعا رسول الله ﷺ بما فتوضأ فيه ثم أفرغه على علي فقال:
_________________
(١) ١ وفي رواية: "للعرس" وهي رواية أحمد وقد تقدمت بتمامها في المسألة رقم ٢٤.
[ ١٧٣ ]
"اللهم بارك فيهما وبارك لهما في بنائهما" ١.
الثالث: عن عائشة ﵂ قالت:
تزوجني النبي ﷺ فأتتني أمي فأدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن:
"على الخير والبركة وعلى خير طائر"٢.
الخامس: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا رفأ٣ الإنسان إذا تزوج قال:
_________________
(١) ١ رواه ابن سعد ٨/٢٠ - ٢١ والطبراني في "الكبير" ١/١١٢/١ بسند حسن. وابن عساكر ١٢/٨٨/٢ وقد سبق الكلام عليه في المسألة المشار إليها آنفا. ٢ أي: على أفضل حظ ونصيب وطائر الإنسان: نصيبه. والحديث رواه البخاري ٩/١٨٢ ومسلم ٤/١٤١ والبيهقي ٧/١٤٩. ٣ بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له في موضع قولهم: "بالرفاه والبنين" وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها. كذا في "الفتح" ٩/١٨٢ ثم ذكر أحاديث في النهي عنها منها حديث الحسن الآتي بعده
[ ١٧٤ ]
"بارك الله لك وبارك الله عليك وجمع بينكما في وفي رواية: على خير" ١.
_________________
(١) ١ رواه سعيد بن منصور في سننه ٥٢٢ وكذا أبو داود ١/٣٣٢ والترمذي ٢/١٧١ وكذا أبو علي الطوسي المختصر ١/١١٠ وصححاه والدارمي ٢/١٣٤ وابن ماجه ١/٢٨٩ وأحمد ٢/٣٨ والحاكم ٢/١٨٣ والبيهقي ٧/١٤٨ والخطابي في غريب الحديث ٦٠/ ١ - ٢. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وأشار الحافظ عبد الحق الأزدي لصحنه في الأحكام الكبرى ١٤٢/٢ واللفظ الآخر هو رواية لأحمد.
[ ١٧٥ ]