واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ومثله السوار والطوق من الذهب؛
[ ٢٢٢ ]
لأحاديث خاصة وردت فيهن١ فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال مثل الحديث الأول المتقدم آنفا وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها:
الأول: "من أحب أن يحلق حبيبه٢ بحلقة من نار فليحلقه حلقة٣ من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليطوقه طوقا وفي رواية: فليسوره سوارا من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها
_________________
(١) ١ ويأتي بيان ما يباح لهن من الذهب ص ٢٣٤. ٢ فعيل بمعنى مفعول وهو يشمل الرجل والمرأة كما يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل وهذا معلوم في اللغة وقد جاء في رواية: "حبيبته" بصيغة التأنيث في حديث أبي موسى الآتي الإشارة إليه قريبا إن شاء الله. ٣ هو الخاتم لا فص له كذا في "النهاية". قلت: وقد توضع الحلقة في الأذن وتسمى حينئذ قرطا كما يأتي فالظاهر أن الحديث لا يشمله لكن رويت أحاديث تقتضي التحريم فيها ضعف فانظر ما يأتي ص ٢٣٦.
[ ٢٢٣ ]
[العبوا بها العبوا بها] " ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٢/١٩٩ وأحمد ٢/٣٧٨ من طريق عبد العزيز بن محمد عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن نافع بن عباس عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا سند جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير أسيد هذا فوثقه ابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وحسن له الترمذي في الجنائز ١٠٠٣ وصحح له الجماعة ولذا قال الذهبي والحفظ: "صدوق". وقد ثبته الشوكاني في نيل الأوطار ٢/٧٠ وهو ظاهر صنيع ابن حزم ١٠/٨٣ – ٨٤ وقال المنذري في الترغيب ١/٢٧٣: "إسناده صحيح". قلت: وقد تابعه عن اسيد زهير بن محمد التميمي عند أحمد ٢/٢٣٣ والرواية الأخرى مع الزيادة له. وتابعه أيضا ابن أبي ذئب رواه أبو الحسن الإخميمي في أحاديثه ٢/٩/٢. ورواه في المسند ٤/٤١٤ من طريق أخرى عن أسيد إلا أنه قال: أبي موسى أو أبي قتادة هكذا على الشك وأخرجه ابن عدي أيضا ٢٣٣/١ ورواه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/١٠٤ – ١٠٥ مختصرا عن أبي قتادة دون شك.
[ ٢٢٤ ]
_________________
(١) ثم وقفت على كتاب دراسات تطبيقة في الحديث النبوي لأحد متعصبة الحنفية من مدرسي مادة الحديث في جامعة دمشق أظهر فيه تعصبه لمذهبه ضد المذاهب الأخرى في غير ما مسألة وتكلف فيها تأويل النصوص وردها ليسلم له مذهبه وقد تجاهل في سبيل ذلك كثيرا من الأحاديث الصحيحة لأنها عليه وسكت عن ضعف بعض آخر منها لأنها له ولسنا في صدد تعقبه في ذلك وإنما يهمنا منه هنا ما يتعلق بالمسألة من الناحية الحديثية والفقهية خشية أن يغتر بكلامه بعض طلابه ممن لا علم عنده بما فيه من البعد عن العلم وإنصافه فقد انتصر في هذه المسألة لرأي الجمهور وأجاب عن بعض أدلتنا التي في هذه الرسالة المباركة إن شاء الله تعالى دون أن يصرح بها فذكر حديث أبي هريرة هذا في آخر كتابه وقال: "فينتقد بأنه من رواية أسيد بن أسيد البراد قال فيه الحافظ: "صدوق" وكل من قيل فيه هذا لا يكون حديثه صحيحا لأنه لم يوصف بالضبط". وجوابا عليه أقول: أولا: هذا يدل على مبلغ علم المؤلف – وهو دكتور في الحديث! – بهذا العلم وقواعده فإن المبتدئ في هذا العلم يعلم أن الحديث من حيث درجاته ثلاثة أقسام: صحيح وحسن
[ ٢٢٥ ]
_________________
(١) وضعيف. فإذا كان من قيل فيه صدوق لا يكون حديثه صحيحا فهل يلزم منه أن يكون حديثه ضعيفا منتقدا كما زعم الدكتور؟! وبين المرتبتين مرتبة وسطى هي مرتبة الحسن؟! طبعا لا يلزم وإذا كان كذلك فيجب أن نعلم ماهي مرتبة حديث من قيل فيه: "صدوق" حتى لا نظلم حديث النبي ﷺ فنضعفه وهو ثابت عنه! وليس لنا طريق إلى ذلك إلا بالرجوع إلى أقوال العلماء ذوي الاختصاص في هذا العلم الشريف فأذكر الآن نصين عن إمامين مشهورين: الأول الحافظ النقاد شمس الدين الذهبي والآخر: الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني. فقال الأول في مقدمة كتابه "ميزان الاعتدال في نقد الرجال": "فأعلى العبارات في الرواة المقبولين: أ – ثبت حجة وثبت حافظ وثقة متقن وثقة ثقة. ب – ثم ثقة. ج – ثم صدوق ولا بأس به وليس به بأس ثم محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث وشيخ وسد وشيخ حسن الحديث وصدوق إن شاء الله وصويلح ونحو ذلك". وقال الحافظ الآخر في كتابه "تقريب التهذيب" الذي منه نقل الدكتور قوله في أسيد: "صدوق" قال في صدد بيان مراتب الرواة: "الثالثة: من أفرد بصفة كثقة أو متقن أو ثبت.
[ ٢٢٦ ]
_________________
(١) الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا وإليه الإشارة بـ "صدوق" أو "لا بأس به" أو "ليس به بأس". فأنت ترى أن الذهبي جعل من قيل فيه: "صدوق" في مرتبة من قيل فيه: "جيد الحديث حسن الحديث". وكلام الحافظ ابن حجر لا يخرج عنه فإن كان من عنده من المرتبة الثالثة لا شك في أن حديثه صحيح فمن كان عنده من المرتبة الرابعة فحديثه حسن بداهة وذلك ما صرح به المحقق احمد شاكر في الباعث الحثيث ص ١١٨ ولولا ضيق المقام لنقلت كلامه فأكتفي بالإشارة إليه. فليت شعري هل كان الدكتور على علم بهذه الحقيقة فكتمها عن طلابه ليوهمهم ضعف الحديث الذي هو حجة عليه ولعى كل مخالف له؟ أم أن المدة التي درس فيها حتى ينال شهادة الدكتوراة لم تساعده على الاطلاع عليها؟ فإن كنت لا تدري وإن كنت تدري ! ثانيا: هب أن إسناد الحديث ضعيف ولمنه ضعف ليس بالشديد فمثله ينجبر بمجيئه من طريق أخرى أو بشاهد يشهد له كما هو مقرر في مصطلح الحديث والدكتور على علم بهذا فإنه أشار إلى نحو هذا المعنى عند كلامه في حديث أبي موسى: " حل لإناثها" وقد وجد هذا الشاهد وهو حديث ثوبان الآتي في
[ ٢٢٧ ]
_________________
(١) المتن وإسناده صحيح عند جماعة كما تراه ثم فإنه صريح تحريم سلسلة الذهب ولكن ماذا كان موقف الدكتور منه؟ لقد تجاهله فلم يورده ولا اشار إليه أدنى إشارة وإنما أورد حديث ربعي بن خراش الذي ضعفته فيما يأتي ص ٢٥٨ – ٢٥٩ وحديث أسماء بنت يزيد الذي قدمته شاهدا ص ٢٣٧ فضعفه بالجهالة وذلك غير ضار في الشواهد ثم عقب على ذلك بقوله: "فلم يخل حديث من الأحاديث التي استدل بها المخالفون من النقد والتضعيف فلا تصلح دليلا لإثبات ما ادعوه". فماذا يعني الدكتور بهذا؟ هما أمران لا ثالث لهما إما أنه لا علم عنده بحديث ثوبان هذا وهو ما أستبعده وإما أنه على علم بع وأنه يعنيه في جملة ماعناه بهذا القول وحينئذ أين يذهب الدكتور بتصحيح الحاكم والمنذري والذهبي والعراقي إياه؟ أهم مخطئون عندك حتى ضعف ما صححوا؟ وما أظنك بهذه الجرأة في هذا العلم لأنه لا يقدم على ذلك إلا من كان متمكنا فيه. أم أنت تضعف الحديث لمجرد مخالفته لمذهبك ورأيك؟ فإن كان كذلك فهذا ليس من صنيع أهل العلم وإن كنت ضعفته لأنه الذي تقتضيه القواعد العلمية في هذا الفن فلماذا تبين علته القادحة في صحته التي أثبتها أولئك الأعلام وصرفت وقتك في بيان ضعف الحديثين الآخرين وضعفهما ظاهر؟!
[ ٢٢٨ ]
_________________
(١) أهكذا يكون التحقيق من الدكتور وفي جامعة دمشق بل في كلية الشريعة؟! فإلى الله المشتكى وبه وحده المستعان لا بسواه! ولنا عودة إلى مناقشة الدكتور حول فقه هذا الحديث. هذا وقد يظن الناس أن الحديث وارد في الذكور دون الإناث والجواب من وجوه: الأول: ماتقدم أن ما كان على وزن فعيل يدخل فيه النساء أيضا وقد أشار لهذا ابن حزم في المحلى ١٠/٨٤ إلا أنه خص الحديث بالرجال لحديث حل الذهب للنساء ويرد عليه الوجهان الآخران الآتي ذكرهما وحديث الحل هو المخصص عندنا من الحديثين الآتيين فإنهما أخص منه ولو صح عند ابن حزم لما خالفنا وسيأتي بيان خطئه فيهما. الثاني: أن فيه ذكر الطوق والسوار من الذهب والمعروف أن هذا من زينة النساء لا الرجال – في ذلك الزمان! – فيكون المراد بالحديث النساء أيضا والرجال من باب أولى. الثالث: أن فيه إباحة المذكورات إذا كانت من الفضة وهذا ما لا يقول به الجمهور الذين يبيحون الذهب مطلقا للنساء لأنهم يحرمون استعمال الفضة على الرجال كتحريم الذهب عليهم فتعين أن المراد بالحديث النساء وثبت المراد.
[ ٢٢٩ ]
الثاني: عن ثوبان ﵁ قال:
جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ [من ذهب] [أي خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها [بعصية معه يقول لها: "أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟! "] فأتت فاطمة تشكو إليها قال ثوبان: فدخل النبي ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن تعني زوجها عليا ﵁ - وفي يدها السلسلة - فقال النبي ﷺ: "يا فاطمة! أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟ " [ثم عذمها١ عذما شديدا] فخرج ولم يقعد فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "الحمد لله الذي نجى فاطمة
_________________
(١) وأما ادعاء نسخ الحديث فسيأتي الجواب عنه مفصلا إن شاء الله تعالى. ١ أي: لامها وعنفها والعذم: الأخذ باللسان واللوم كذا في "اللسان".
[ ٢٣٠ ]
من النار" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي ٢/٢٨٤ و٢٨٤ - ٢٨٥ والطيالسي ١/٣٥٤ ومن طريقه الحاكم ٣/١٥٢ - ١٥٣ والطبراني في "الكبير" رقم ١٤٤٨ وابن راهويه في مسنده ٤/٢٣٧/١ - ٢ وكذا أحمد ٥/٢٧٨ وإسناده صحيح موصول وكذلك صححه ابن حزم ١٠/٨٤ وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي. وقال الحافظ المنذري ١/٢٣٧: "رواه النسائي بإسناد صحيح". وقال العراقي ٤/٢٠٥: " بإسناد جيد". والزيادة الأولى عندهم جميعا إلا في رواية للنسائي والزيادة الثانية عنده وكذا الطيالسي وغيره وسائرها عند أحمد والحربي في الغريب ٥/١٨٤/٢ مختصرا والطبراني ولم يسق لفظه. وله طريق آخر عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان. رواه الروياني في مسنده ١٤/١٢٦/١ وليس عنده: "أيسرك " وسنده صحيح أيضا. واعلم أن ابن حزم ١٠/٨٤ هذا الحديث من طريق النسائي فقط التي ليس فيها زيادة: "من ذهب" ولا قوله ﷺ لبنت هبيرة: "أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟! " ولذلك أجاب عن الحديث بقوله:
[ ٢٣١ ]
الثالث: عن عائشة أن النبي ﷺ رأى في يد عائشة قلبين ملويين من ذهب فقال: "ألقيهما عنك واجعلي قلبين من فضة وصفريها بزعفران" ١.
_________________
(١) "أما ضرب الرسول ﷺ يدي بنت هبيرة فليس فيه أنه ﵊ إنما ضربها من أجل الخواتيم ولا فيه أيضا أن تلك الخواتيم كانت من ذهب". قلت: وهذا كلام ساقط لا قيمة له فالحديث بالزيادتين المذكورتين نص قاطع على أن الضرب كان من أجل الخواتيم بدليل تعقبه ﷺ الضرب بهذا التهديد الشديد: "أيسرك أن يجعل اله في يدك خواتيم من نار؟! ". وأنا أقطع بأن ابن حزم ﵀ لو وقف على هاتين الزيادتين لما تردد مطلقا في تحريم الخاتم على النساء ولجعله مستثنى من حديث حل الذهب لهن لأنه أخص منه كما هو مذهبه وهو الحق. وهذه المسألة مثال من جملة الأمثلة الكثيرة على أهمية هذه الطريقة التي تفردنا بها في هذا العصر – فيما أعلم – من تتبع الزيادات من مختلف الروايات وجمع شملها وضمها إلى أصل الحديث مع تحري الثابت منها فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ١ رواه القاسم السرقسطي في "غريب الحديث" ٢/٧٦
[ ٢٣٢ ]
الرابع: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت:
جعلت شعائر١ من ذهب في رقبتها فدخل النبي ﷺ فأعرض عنها فقلت: ألا تنظر إلى زينتها فقال: "عن زينتك أعرض" [قالت: فقطعتها فأقبل علي بوجهه] . قال٢: زعموا أنه قال: "ما ضر إحداكن لو
_________________
(١) بسند صحيح والنسائي ٢/٢٨٥ والخطيب ٨/٤٥٩ وكذا البزار ٣٠٠٧ نحوه وله طريق آخر عند الطبراني ٢٣/٢٨٢/٦٤١. و"القلبين": السوارين. "ملويين": مفتولين. ١ جمع " شعيرة " وهي ضرب من الحلي على شكل الشعيرة. ٢ يعني: الراوي وهو عطاء بن أبي رباح فإنه راوي الحديث عن أم سلمة وعليه فهذا القدر من الحديث مرسل لأنه لم يسنده إلى أم سلمة فهو ضعيف نعم أسنده ليث بن أبي سليم فقال: عن عطاء عن أم سلمة به نحه أخرجه أحمد ٦/٣٢٢ والطبراني في "الكبير" ٢٣/٢٨١ غير أن ليثا فيه ضعف من قبل حفظه وعطاء لم يسمع منها لكن هذا القدر من الحديث صحيح أيضا لأنه مرسل صحيح الإسناد وقد روي موصولا كما علمت وله شاهدان موصولان من حديث أسماء وأبي هريرة كما يأتي
[ ٢٣٣ ]
جعلت خرصا١ من ورق ثم جعلته بزعفران" ٢.
_________________
(١) ١ الخرص بالضم والكسر: الحلقة الصغيرة من الحلي. وهو من حلي الأذن. "نهاية". ٢ أي: صفرته بزعفران. والحديث رواه أحمد ٦/٣١٥ بسند صحيح على شرط الشيخين لولا الانقطاع المشار إليه آنفا وكذلك رواه الحربيفي غريب الحديث ٥/٣٠/١ – ٢ مقتصرا على أوله وقال الهيثمي ٥/١٤٨: "رواه أحمد والطبراني وسياقه أحسن ورجال الصحيح". قلت: والزيادة للطبراني ٢٣/٤٠٤/٩٦٨. وقد وصله الطبراني في الكبير ٢٣/٤٠٣/٩٦٧ من طريق أبي حمزة عن أبي صالح عن أم سلمة به إلى قوله: "فأعرض عني فنزعتها". وسنده ضعيف أبو حمزة اسمه ميمون وهو ضعيف. وله شاهد مرسل صحيح عن الزهري في مصنف عبد الرزاق ١١/٧١. وفي هذا الحديث وما قبله دلالة واضحة على تحريم السوار والطوق والحلقة من الذهب على النساء وأنهن في هذه المذكورات كالرجال في التحريم وإنما يباح لهن ماسوى ذلك من الذهب المقطع كالأزرار والأمشاط ونحو ذلك من زينة النساء ولعل
[ ٢٣٤ ]
_________________
(١) هذا هو المراد بحديث النسائي ٢/٥٨٥ وأحمد ٤/٩٢ و٩٥ و٩٩: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعا" وسنده صحيح وعليه فهو خاص بالنساء. وكلام ابن الأثير عليه يشعر بأنه عام للنساء والرجال فيجوز لهم جميعا عنده الذهب المقطع فإنه قال: "أراد الشيء اليسير منه كالحلقة والشنف من حلي الأذن وغير ذلك وكره الكثير الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والكبر واليسير هو ما لا تجب فيه الزكاة". ولي على هذا التفسير ملاحظتان: الأولى: إدخاله في المقطع الحلقة ينافي أصل اشتقاق هذه الكلمة وهو القطع الذي هو ضد الوصل كما ينافي الأحاديث المتقدمة المحرمة للحلقة حتى على النساء فضلا عن الرجال وقد فسر الإمام أحمد المقطع بالشيء اليسير أيضا ولكنه لم يضرب عليه مثلا الحلقة وغيره بل لما قال ابنه عبد الله: فالخاتم؟ قال روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب. انظر المسائل لابنه ص ٣٩٨ وكأن العلامة أبا الحسن السندي ﵀ تنبه لهذا فقال: "قوله إلا مقطعا أي مكسرا مقطوعا والمراد الشيء اليسير مثل السن والألف. والله أعلم".
[ ٢٣٥ ]
وفي حديث أسماء بنت يزيد في قصة أخرى نحوه:
" وتتخذ لها جمانتين من فضة فتدرجه بين أناملها بشيء من زعفران فإذا هو كالذهب يبرق" ١.
_________________
(١) فهذا هو الصواب الأقرب إلى لفظ الحديث إذا كان المراد به العموم والتقييد باليسير خاص حينئذ بالرجال دون النساء. الثانية: تقييده باليسير بما لاتجب فيه الزكاة مما لادليل عليه فلا يلتفت إليه فالواجب على الرجال اجتناب الذهب كله كثيره وقليله إلا ما اقتضته الضرورة لعموم الأحاديث والله أعلم. ١ أخرجه أحمد ٦/٤٥٤ وأبو نعيم في الحلية ٢/٧٦ وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/١٩٨/١. وفي إسناده شهر بن حوشب وهو ضعيف يكتب حديثه كما في "مجمع الهيثمي" ٥/١٤٩ فهو شاهد حسن لما قبله بل قاله المنذري ١/٢٧٣ في حديث آخر نحوه: إسناده حسن. "الجمانة": حب يصاغ من الفضة على شكل اللؤلؤ. ويشهد له أيضا حديث أبي هريرة أن امرأة قالت: سوارين من ذهب؟ فقال: "سوارين من نار". قالت: طوق من ذهب. قال: "طوق من نار". قالت: قرطين من ذهب؟ قال: "قرطين من نار". قال وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما قالت: يا رسول الله! إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها الحديث نحوه.
[ ٢٣٦ ]
شبهات حول تحريم الذهب المحلق وجوابها
واعلم أن كثيرا من علماء أعرضوا عن العمل بهذه الأحاديث لشبهات قامت لديهم ظنوها أدلة ولا يزال
_________________
(١) أخرجه النسائي ٢/٢٨٥ وأحمد ٢/٤٤٠ وفيه أبو زيد وهو مجهول كما في التقريب وقد تفرد بذكر القرطين فهو منكر ولو صح لكان نصا في تحريم أقراط الذهب أيضا. نعم! فيما اتفقت عليه الروايات من قوله ﷺ: "ماضر إحداكن لو جعلت خرصا من ورق " إشارة إلى التحريم أو على الأقل إلى الحض على اتخاذه من الفضة. وقد صرح بالتحريم في حديث لأسماء بنت يزيد بلفظ: "أيما امرأة تحلت يعني بقلادة من ذهب جعل الله في عنقها مثلها من النار وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل الله ﷿ في أذنها مثله خرصا من النار يوم القيامة". أخرجه أبو داود ٢/١٩٩ والنسائي ٢/٢٨٤ والبيهقي ٤/١٤١ وابن راهويه في مسنده ٤/٢٦٢/١ من طريق محمود بن عمرو عنها. لكن محمودا هذا فيه جهالة كما قال الذهبي فإن وجد له متابع قامت الحجة به وبخاصة أن الحافظ المنذري قد صرح في الترغيب ١/٢٧٣ بأن إسناده جيد.
[ ٢٣٧ ]
كثيرون منهم يتمسكون بها على أنها حجج تسوغ لهم ترك هذه الأحاديث ولذلك رأيت أنه لا بد من حكاية تلك الشبهات والرد عليها كي لا يغتر بها من لا علم عنده بطرق الجمع بين الأحاديث فيقع في مخالفة الأحاديث الصحيحة المحكمة بدون حجة أو بينة فأقول:
دعوى الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وردها
١- ادعى بعضهم الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وهذا مردود من وجوه:
الإجماع الصحيح:
الأول: أنه لا يمكن إثبات صحة الإجماع في هذه المسألة وإن نقله البيهقي في "سننه" ٤ / ١٢٤ وغيره مثل الحافظ ابن حجر في "الفتح" ولكن هذا كأنه أشار لعدم ثبوته حين قال: ١٠ / ٢٦٠ في بحث خاتم الذهب:
"فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء" ويأتي قريبا ما يبطل هذا الإجماع وذلك لأنه لا يستطيع أحد
[ ٢٣٨ ]
أن يدعي أنه إجماع معلوم من الدين بالضرورة وغير هذا الإجماع مما لا يمكن تصوره فضلا عن وقوعه ولهذا قال الإمام أحمد ﵁:
"من ادعى الإجماع فهو كاذب [وما يدريه؟] لعل الناس اختلفوا".
رواه ابنه عبد الله في "مسائله" ص ٣٩٠.
وتفصيل القول في هذا الموضوع الخطير ليس هذا موضعه فليراجع من شاء التحقيق بعض كتب علم أصول الفقه التي لا يقلد مؤلفوها من قبلهم! مثل: "أصول الأحكام" لابن حزم ٤ / ١٢٨ - ١٤٤ و"إرشاد الفحول" للشوكاني ونحوهما.
استحالة وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح
الثاني: لو كان يمكن إثبات الإجماع في الجملة لكان ادعاؤه في خصوص هذه المسألة غير صحيح لأنه مناقض للسنة الصحيحة وهذا مما لا يمكن تصوره أيضا لأنه يلزم منه اجتماع الأمة على ضلال وهذا
[ ٢٣٩ ]
مستحيل لقوله ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال ولا أصل له في الوجود والواقع قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في "أصول الأحكام" ٢ / ٧١ - ٧٢:
"وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين:
أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا.
والثاني: أن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله ﷿ بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها
[ ٢٤٠ ]
والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله تعالى ﷿ ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله ﷿ في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: "اللهم هل بلغت؟ " قال:
"ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا منقولا إلينا محفوظا عندنا مبلغا نحونا بلفظه قائم النص لدينا لا بد من ذلك وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه فهذا باطل عندنا لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد لأنه معدوم البتة قد دخل - بأنه غير
[ ٢٤١ ]
كائن - في باب المحال والممتنع عندنا وبالله تعالى التوفيق".
تقديم السنة على الإجماع الذي ليس معه كتاب أو سنة
وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
"ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة. قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة وقال في [كتاب اختلافه مع مالك":
"والعلم طبقات: الأولى الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة ".
وقال ابن القيم أيضا في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد:
"ولم يكن يعني الإمام أحمد يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح! وقد كذب أحمد من
[ ٢٤٢ ]
ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص"١.
قلت: وهذا ما فعله البعض هنا فقدموا ما زعموه إجماعا على النصوص المتقدمة مع أنه لا إجماع في ذلك وبيانه في الوجه التالي:
الثالث: أنه قد ثبت ما ينقض بالإجماع المزعوم وهو ما روى عبد الرزاق في "المصنف" ١١ / ٧٠ / ١٩٩٣٥ وابن صاعد في "حديثه" ٣٥ / ١ - وهو بخط الحافظ ابن عساكر وابن حزم ١٠ / ٨٢ بسند صحيح عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته:
_________________
(١) ١ الأعلام: ١ / ٣٢ - ٣٣.
[ ٢٤٣ ]
"لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب".
وروى ابن عساكر ١٩ / ١٢٤ / ٢ من طريقين آخرين أن ابنة لأبي هريرة قالت له: إن الجواري يعيرني يقلن: إن أباك لا يحليك الذهب! فقال:
قولي لهن: إني أبي لا يحليني الذهب يخشى علي من اللهب.
ورواه عبد الرزاق ١٩٩٣٨ نحوه وعلقه البغوي في شرح السنة ٣ / ٢١٠ / ٨٢ وحكى الخلاف في هذه المسألة فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء وتحليهن به عند الأكثرين قال:
"وكره ذلك قوم".
ثم ساق حديث أسماء بنت يزيد المتقدم بعضه في المتن ص ٢٣٦ وتمامه في التعليق ٢٣٧.
وما حكاه البغوي ﵀ من الكراهة عن أولئك الذين أشار إليهم من العلماء فهي الكراهة التحريمية لأنه المعروف في اصطلاح السلف تبعا للأسلوب القرآني في عديد من الآيات الكريمة
كقوله تعالى:
[ ٢٤٤ ]
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ .
وقد كنت شرحت هذه المسألة الهامة في كتابي:
"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" ص ٤٨ - ٥٥ وذكرت هناك بعض الأمثلة فلتراجع.
وبين أيدينا مثال آخر قريب المنال وهو ما تقدم في بحث خاتم الخطبة أن الإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه كرها خاتم الذهب للرجال فهذه الكراهة للتحريم أيضا لتصريح الأحاديث المتقدمة هناك به وكذلك الأمر في تحريم خاتم الذهب على النساء لأن الأدلة صريحة أيضا فمن أطلق كراهته عليهن فإنما يعني الكراهة الشرعية وهي التحريم فتأمل منصفا.
وذكر ابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز ص ١٦٣ أن ابنة عمر بعثت إليه بلؤلؤة وقالت له: إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني فأرسل إليها ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت لها!
[ ٢٤٥ ]
ومن الظاهر أن اللؤلؤة كانت محلاة بالذهب لأنها لا تقوم بنفسها ولا تحلى عادة إلا بها ويؤيد ذلك لفظة: "الجمرتين" فإنها مستوحاة من بعض أحاديث التحريم المتقدمة كحديث بنت هبيرة فثبت بطلان دعوى الإجماع في هذه المسألة.
دعوى نسخ الأحاديث المتقدمة وإبطالها
٢- وادعى آخرون نسخ هذه الأحاديث المحرمة بمثل قوله ﷺ: "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي " وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وقد ذكرها الزيعلي في نصب الراية ٤ / ٢٢٢ - ٢٢٥ ثم حققته في تخريج كتاب الحلال والحرام للأستاذ القرضاوي رقم ٧٨ وهو ادعاء باطل لأن للنسخ شروطا كثيرة معروفة عند العلماء١ منها أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا عن المنسوخ ومنها أن لا يمكن الجمع بينهما وهذان الشرطان منفيان هنا أما الأول فلأنه لا يعلم تأخر هذا الحديث المبيح عن
_________________
(١) ١ انظر مقدمة الاعتبار.
[ ٢٤٦ ]
أحاديث التحريم وأما الثاني فلأن الجمع ممكن بسهولة بين الحديث المذكور وما في معناه وبين الأحاديث المتقدمة ذلك لأن الحديث مطلق وتلك مقيدة بالذهب الذي هو طوق أو سوار أو حلقة فهذا هو المحرم عليهن وما سوى ذلك من الذهب المقطع فهو المباح لهن وهو المراد بحديث حل الذهب لهن فهو مطلق مقيد بالأحاديث المشار إليها فلا تعارض وبالتالي فلا نسخ.
ولذلك لم نر أحدا ممن ألف في الناسخ والمنسوخ أورد الأحاديث المذكورة فيما هو منسوخ كالحافظ أبي الفرج ابن الجوزي في رسالة إخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ في الحديث والحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار وغيرهما بل قد أشار ابن الجوزي ﵀ في مقدمة رسالته المشارة إليها إلى رد دعوى نسخ هذه الأحاديث فقال:
"أفردت في هذا الكتاب قدر ما صح نسخه أو احتمل وأعرضت عما لا وجه لنسخه ولا احتمال فمن
[ ٢٤٧ ]
سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس في هذا الكتاب فليعلم وهاء تلك الدعوى وقد تدبرته فإذا فيه أحد وعشرون حديثا".
بل قال المحقق ابن القيم في الأعلام ٣/ ٤٥٨:
إن النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها"!
قلت: ثم ساقها وليس فيها شيء من هذه الأحاديث السابقة فثبت ضعف ادعاء احتمال نسخها فكيف الجزم بنسخها؟ وقد أشار لضعف دعوى النسخ ابن الأثير في النهاية بقوله تعليقا على حديث أسماء المشار إليه آنفا:
"قيل: كان هذا قبل النسخ فإنه قد ثبت إباحة الذهب للنساء".
فإن لفظة: "قيل" للتمريض كما هو معروف.
وقال العلامة صدر الدين علي بن علاء الحنفي بعد أن حكى كلام ابن الجوزي الآنف الذكر:
"وهذا هو الذي يشهد العقل بصدقه إذا سلم من
[ ٢٤٨ ]
الهوى وقد ادعى كثير من الفقهاء في كثير من السنة أنها منسوخة وذلك إما لعجزه عن الجمع بينها وبين ما يظن أنه يعارضها وإما لعدم علمه ببطلان ذلك المعارض وإما لتصحيح مذهبه ودفع ما يرد عليه من جهة مخالفة ولكن نجد غيره قد بين الصواب في ذلك لأن هذا الدين محفوظ ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة"١.
ولقد صدق ﵀ في كل ما ذكره فأنت ترى أن هذه الأحاديث المحرمة لا تتعارض مطلقا مع حديث حل الذهب للنساء لأنه عام وتلك خاصة والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في علم الأصول ولهذه القاعدة رجح الإمام النووي ﵁ في شرح مسلم والمجموع وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مع أنه مخالف لمذهبه بل ومذهب الجمهور حتى ظن بعض المتعالمين في هذا العصر أنه لا يقول بالوضوء منه عالم من علماء المسلمين! كما نشر ذلك في
_________________
(١) ١ كذا في رده على رسالة الشيخ أكمل الدين في انتصاره لمذهب أبي حنيفة ١٠٣ / ١.
[ ٢٤٩ ]
بعض الجرائد الدمشقية سنة ١٣٨٦ هـ تقريبا.
ولما ذكرنا قال ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة ٢ / ١٩٠ بعد أن ذكر أحاديث التحريم وحديث الحل:
"معناه الحل في الجملة وهذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث ولم أجد لها معارضا".
وأقره صديق حسن خان في الروضة الندية ٢ / ٢١٧ – ٢١٨.
قلت: ومما يدلك على ضعف دعوى النسخ هذه أن بعض متعصبة الحنفية - وقد سبقت الإشارة إليه - لم ينظر إليها بعين الرضا مع أنه حكاها عن الجمهور الذين يقلدهم في هذه المسألة واحتج على ذلك بقوله - وقد وفق فيه -:
"إن النسخ لا يلجأ إلى القول به ما دام التوفيق بين الأحاديث ممكنا بحيث لا يرد شيء من الأدلة" وهذا حق لا ريب فيه وهو من المقرر في علم الأصول.
ولكنه مع الأسف لم يستقر عليه الدكتور بل رجع
[ ٢٥٠ ]
إلى ادعاء النسخ معارضا بذلك الأخذ بأحاديث التحريم فقال:
"إن الفريقين لما تجاذبا دعوى النسخ احتجنا إلى النظر في التاريخ للترجيح بين المذهبين وتعيين الناسخ والمنسوخ والتاريخ يؤيد نظر الجمهور "! ".
فإنه لا شك في أن الصحابة في ابتداء الإسلام كانوا في أمس الحاجة للمال ولقد قسم الأنصار أموالهم مناصفة بينهم وبين المهاجرين فكان التختم بالذهب في تلك الفترة بطرا وترفا فلما مضت الأيام وفتحت على رسول الله ﷺ الفتوحات صار الناس في رخاء العيش فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع "!
قلت: وجوابي عليه من وجوه:
الأول: أنه لم يذكر نصا تاريخيا يؤيد تأخر المبيح عن الحاظر يرجح به نظر الجمهور وإنما هو مجرد الدعوى أن الإباحة كانت بعد رخاء العيش فأين الدليل عليها؟!.
[ ٢٥١ ]
الثاني: هذه الدعوى لو صحت لزم منها أن يكون تحريم الذهب على الرجال قد شرع في الوقت الذي حرم على النساء إن لم يكن تقدم عليه وكل عاقل يفهم من قوله: في ابتداء الإسلام أنه يعني في مكة أو في أول الهجرة على أبعد تقدير وإذا كان كذلك فنحن نقطع ببطلان هذه الدعوى لأن تحريم الذهب على الرجال إنما كان في أواخر الأمر كما نص على ذلك الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك ٣ / ٢٣١ ومما يشهد له ما أخرجه البخاري في اللباس وأحمد في المسند ٤ / ٣٢٨ عن المسور بن مخرمة:
"أن أباه مخرمة قال له: يا بني! إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا إليه فخرج وعليه قباء من الديباج مزرر بالذهب فقال: "يا مخرمة هذا خبأته لك" فأعطاه إياه.
وإنما أسلم مخرمة عام الفتح وذلك بعد ثمان سنين ونصف من الهجرة فهذا نص على أن الذهب كان مباحا إلى ما قبل وفاته ﷺ بسنة ونصف تقريبا ولولا ذلك
[ ٢٥٢ ]
لم يلبس ﷺ القباء المزرر بالذهب ولا وزعه على أصحابه كما هو ظاهر.
الثالث: أنه لو صح قوله: "فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع" لزم منه إباحة الذهب للرجال أيضا لزوال المانع أيضا وهذا باطل لا يقوله عالم وما لزم منه باطل فهو باطل.
فإن قال: هذا غير لازم لأن علة تحريم الذهب على الرجال غير علة تحريمه على النساء.
قلنا: ما هيه؟ ولا سبيل له إلى إثباتها أبدا إلا بمثل هذه الدعوى التي أثبت بها أختها! وليست هي إلا مجرد رأي تفرد به الدكتور في آخر الزمان!
وما يلجئ بعض الناس إلى مثل هذه المضايق والآراء إلا محاولتهم التخلص من معارضة النص الشرعي لمخالفته لمذهبهم وتقليدهم وعاداتهم فيقعون فيما هو أعظم منه! ولو أنهم استسلموا لحكم الله ورسوله - كما هو المفروض في المسلم - لكان خيرا لهم ولم يقعوا في مثل ذلك.
[ ٢٥٣ ]
وخلاصة البحث: أن القول بنسخ الأحاديث المحرمة للذهب على النساء مما لا دليل عليه بل هو مخالف لعلم الأصول والواجب الجمع بينها وبين الأحاديث المبيحة للذهب عليهن وذلك بحمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص كما شرحنا وينتج منه أن الذهب كله حلال على النساء إلا المحلق منه كما يحرم عليهن استعمال أواني الذهب والفضة اتفاقا فلا نسخ عندنا خلافا لما فهمه الدكتور وأدار كل بحثه في كتابه عليه كما ينبئك به كلامه السابق في المعارضة المزعومة. والله الهادي لا رب سواه.
رد الأحاديث المتقدمة بأحاديث مبيحة والجواب عنها
٣- وقد يرد بعضهم هذه الأحاديث بأحاديث أخرى فيها إباحة المحلق من الذهب على النساء والجواب أن هذا كان قبل التحريم حتما وبيانه:
أن من المعلوم بداهة أن النهي عن الشيء مما يحتمل التحليل والتحريم لا يكون إلا بعد أن يكون مسبوقا بالإباحة فالتمسك بها حينئذ فيه مخالفة صريحة
[ ٢٥٤ ]
لمنطوق الأحاديث المحرمة ومما يقرب هذا إلى المنصفين إن شاء الله تعالى أن هناك أحاديث يستفاد منها إباحة الذهب على الرجال أيضا ومع ذلك فلم يأخذ بها أحد من العلماء لمجيء النصوص المحرمة وقد سبق ذكر بعضها بل ذهبوا إلى أنها كانت قبل التحريم١ وكذلك نقول نحن في الأحاديث المبيحة للذهب المحلق للنساء ولا فرق أنها كانت قبل التحريم ومن فرق بين هذه وتلك فهو متناقض أو متلاعب!
تقييد الأحاديث المتقدمة بمن لم يؤد الزكاة ورده
٤- وأجاب بعضهم٢ بأن الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة إنما هو في حق من لا يؤدي زكاة تلك الحلي دون من أداها واستدل عليه بحديث عمرو بن
_________________
(١) ١ انظر "فتح الباري" ١٠ / ٢٥٨ – ٢٥٩. ٢ هو المنذري في "الترغيب" ١/٢٧٤ وقلده بعض المدرسين في "كلية الشريعة" في جامعة دمشق الذي سبق بيان خطئه في تضعيف حديث أبي هريرة المتقدم ولم يتعرض البتة للجواب عن جوابنا هذا الأمر الذي زادنا ثقة بقوته وإيمانا بصوابه.
[ ٢٥٥ ]
شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان أي سواران غليظتان من ذهب فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! " قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله عز ولرسوله.
أخرجه أبو داود ١ / ٢٤٤ والنسائي ١ / ٣٤٣ وأبو عبيد في الأموال رقم ١٢٦٠ وإسناده حسن وصححه ابن الملقن ٦٥ / ١ وتضعيف ابن الجوزي له في التحقيق ٦ / ١٩٧ / ١ مردود عليه.
ورواه النسائي في السنن الكبرى ق ٥ / ١ عن عمرو بن شعيب به موصولا ثم رواه عنه مرسلا وقا:
"الموصول أولى بالصواب".
والجواب: إن هذا استدلال ضعيف جدا لأن الرسول ﷺ لم ينكر في هذه القصة لبس السوارين
[ ٢٥٦ ]
وإنما أنكر عدم إخراج زكاتهما بخلاف الأحاديث المتقدمة فإنه أنكر اللبس ولم يتعرض لإيجاب الزكاة عليها والظاهر أن هذه القصة كانت في وقت الإباحة فكأنه ﷺ تدرج لتحريمها فأوجب الزكاة عليها أولا ثم حرمها كما هو صريح الأحاديث السابقة ولا سيما الحديث الأول من رواية أبي هريرة مرفوعا:
"من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب " إلخ فإنه لا يدل دلالة قاطعة أن التحريم لنفس التحليق وما قرن معه لا لعدم إخراج زكاتها.
والحق أن هذه القصة أفادت وجوب الزكاة على الحلي ومثلها قصة عائشة الآتية في زكاة خواتيم الفضة فهذه وتلك لا تدل على تحريم الاستعمال بل على وجوب زكاة المستعمل فالتحريم وعكسه يؤخذ من أدلة أخرى فأخذنا تحريم الذهب المحلق عليهن الأحاديث المتقدمة وأخذنا إباحة الفضة من حديث أبي هريرة المتقدم ومن حديث عائشة المشار إليها وغيرها.
[ ٢٥٧ ]
وجملة القول أن هذا الحديث لا حجة فيه على ما ذكره المنذري لأنه لم ينص فيه على تحريم السوار إنما كان لأنه لم يؤد زكاته حتى يمكن أن يقال: إنه مفصل وتلك الأحاديث مجملة فيحمل المجمل على المفصل وإنما هي واقعة عين أفادت وجوب زكاة الحلي فلا يعارض ما أفادته الأحاديث السابقة من التحريم.
تقييد آخر للأحاديث والجواب عنه
٥- وأجاب هذا البعض أيضا بجواب آخر١ فقال: إن الوعيد المذكور إنما هو في حق من تزينت به وأظهرته واستدل بما رواه النسائي وأبو داود عن ربعي بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ وقلده أيضا من أشرنا إليه في التعليق السابق دون أن يتعرض للجواب عن ردنا هذا عليه بل إنه أوهم طلابه أن هذا التقييد الوارد في حديث النسائي ثابت يحتج به مع أنه قد ضعفه قبل أسطر بالجهالة الآتي ذكرها ولكنه لم يسق لفظ الحديث ليعلم الطالب أنه هو الذي ورد فيه هذا التقييد فيعلم عدم ثبوته! ولعل الدكتور وقع منه ذلك اتفاقا ولم يتعمده!
[ ٢٥٨ ]
قال:
"يا معشر النساء! أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ أما إنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به".
والجواب من وجهين:
الأول: رد الحديث من أصله لعدم ثبوته فإن في سنده امرأة ربعي وهي مجهولة كما قال ابن حزم ١٠ / ٨٣ ولذلك ضعفته في المشكاة ٤٤٠٣.
ثانيا: لو كانت العلة هي الإظهار لكان لا فرق في ذلك بين الذهب والفضة لاشتراكهما في العلة مع أن الحديث صريح في التفريق بينهما ولا قائل بحرمة خاتم الفضة على المرأة مع ظهوره فثبت بطلان التمسك بعلة الإظهار. ولهذا قال أبو الحسن السندي:
"تظهره يحتمل أن تكون الكراهة إذا ظهرت وافتخرت به لكن الفضة مثل الذهب في ذلك فالظاهر أن هذا لزيادة التقبيح والتوبيخ والكلام لإفادة حرمة الذهب يعني: المحلق على النساء مع قطع النظر عن الإظهار والافتخار".
[ ٢٥٩ ]
وهذا كله يقال على افتراض صحة الحديث وإلا فقد عرفت ضعفه فسقط الاستدلال به أصلا.
رد الأحاديث بفعل عائشة والجواب عنه
٦- ومن أعجب ما ردت به هذه الأحاديث الصحيحة قول بعض متعصبة الحنفية:
"إن عائشة ﵂ كانت تلبس الخواتيم من الذهب كما رآها ابن أختها القاسم بن محمد وحدث بذلك وهذا الخبر عن عائشة رواه البخاري في صحيحه".
وأقول: إطلاق عزو هذا الأثر للبخاري فيه نظر لأن المعروف عند العلماء أن العزو إلى البخاري مطلقا معناه أنه في صحيحه مسند وليس كذلك أمر هذا الأثر فإنه إنما ذكره معلقا بدون إسناد وذكر الحافظ في الفتح ١٠ / ٢٧١ أنه وصله ابن سعد في الطبقات. وسكت عن سنده وهو عندي حسن فقال ابن سعد ٨ / ٤٨: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي
[ ٢٦٠ ]
عمرو قال: سألت القاسم بن محمد قلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن الأحمرين: المعصفر والذهب فقال: كذبوا والله لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات وتلبس خواتم الذهب.
لكن رواه غير عبد العزيز بلفظ: "كانت تلبس الأحمرين: المذهب١ والمعصفر". أخرجه ابن سعد أيضا: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سلميان بن بلال عن عمرو به وهذا الإسناد أصح لأن سليمان هذا أحفظ من عبد العزيز. فإن ثبت ذكر الخاتم في هذا الأثر عن عائشة فالجواب ما سيأتي وإلا فلا حجة فيه مطلقا لأن الرواية الأخرى - وهي الأصح - لا ذكر للخاتم فيها فهو على هذا مثل حديثها الآخر من طريق القاسم أيضا أن عائشة كانت تحلي بنات أختها الذهب ثم لا تزكيه. رواه أحمد في مسائل عبد الله ص ١٤٥ وسنده صحيح فهذا محمول على الذهب
_________________
(١) ١ أي: المموه بالذهب بمعنى المطلي به و"المعصفر" هو الثوب المصبوغ بالعصفر.
[ ٢٦١ ]
المقطع وهو جائز لهن اتفاقا
ثم قال ذاك المذكور:
"لا يتصور أن تلبس عائشة ﵂ الذهب الملحق ورسول الله ﷺ كل يوم معها وفي بيتها ثم لا ينهاها عنه".
قلت: هذه مغالطة ظاهرة - ولعلها غير مقصودة - إذ ليس في الأثر المتقدم أن عائشة لبسته على علم منه ﷺ بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه فمعنى ذلك أن لبسها إياه إنما كان بعد وفاته ﷺ لأن القاسم لم يدركه ﷺ.
ثم قال عطفا على ما سبق:
"أو ينهى عنه رسول الله ﷺ ولا يبلغها؟ فهذا مستحيل قطعا".
قلت: لا استحالة في ذلك إلا نظرا وهذا ليس يهمنا لأن الواقع خلافه فكم من سنن فعلية وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة ﵃ ولولا صحة السند بذلك عنهم لقلنا كما قال المومأ إليه
[ ٢٦٢ ]
هاهنا ولا يتحمل هذا التعليق الإكثار من أمثلة ذلك فلنقتصر على مثالين منها:
١- أن عائشة ترى أن الأقراء إنما هي الأطهار كما قال أحمد في المسائل ١٨٥ وروى مالك في الموطأ ٢ / ٩٦ بسند صحيح جدا عنها أنها قالت:
"تدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار".
ونحوه في مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله ص ٢٣١.
أقول: وقد ثبت في السنة أن القرء إنما هو الحيض وبه قال الحنفية والرجل منهم فهل يرد حضرته مذهبه ولا سيما أنه موافق للسنة من أجل قول عائشة هذا؟ أم يجعل قولها دليلا على نسخ ذلك كما فعل في مسألتنا هذه؟!
٢- قالت عائشة ﵂: دخل رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله! قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " قلت: لا أو ما شاء الله قال: "هو
[ ٢٦٣ ]
حسبك من النار".
أخرجه أبو داود ١ / ٢٤٤ وغيره وإسناده على شرط الصحيح كما قال الحافظ في التخليص ٦ / ١٩ ومحمد بن عطاء الذي في إسناده هو محمد بن عمرو بن عطاء ثقة محتج به في الصحيحين كما في الترغيب وظنه ابن الجوزي في التحقيق ١ / ١٩٨ / ١ رجلا آخر فجهله وضعف الحديث من أجل ذلك فلا يلتفت إليه.
فهذا الحديث صريح في إيجاب الزكاة على الحلي وهو حجة الذين ذهبوا إلى إيجابه ومنهم الحنفية.
ثم إنه قد ورد عن عائشة نفسها ما يعارض هذا الحديث وهو ما أخرجه مالك ١ / ٢٤٥ عن القاسم ابن محمد "راوي حديث الخاتم! " أن عائشة كانت تل بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. سنده صحيح جدا وتقدم نحوه من رواية أحمد.
[ ٢٦٤ ]
فهذه مخالفة صريحة عن عائشة ﵂ لحديثها١ فإذا جاز في حقها ذلك فبالأحرى أن تخالف حديث غيرها لم تروه هي وهي على كل حال مأجورة فماذا يقول المشار إليه في هذه المخالفة؟ أيدع الحديث والمذهب لقولها أم يتمسك بالحديث ويدع قولها معتذرا عنها بأي عذر مقبول كما هو الواجب؟
وعلى كل حال فقد ظهر لكل من له قلب أن ما كان يظنه مما لا يتصور أو أنه مستحيل قطعا قد أثبتناه بالأسانيد الصحيحة ولازم ذلك أن لا يتلفت المسلم إلى أي قول يخالف ما ثبت عنه ﷺ مهما كان شأن قائله فضلا وعلما وصلاحا لانتفاء العصمة وهذا من الأسباب التي تشجعنا على الاستمرار في خطتنا من التمسك بالكتاب والسنة وعدم الاعتداد بما سواهما
_________________
(١) ١ وألفت النظر إلى أن من مذهبها إخراج الزكاة عن مال الأيتام انظر "الموطأ" و"الأموال" و"مسائل الإمام أحمد" لابنه عبد الله. وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" عن القاسم قال: كان مالنا عند عائشة فكانت تزكيه إلا الحلي وسنده صحيح أيضا.
[ ٢٦٥ ]
كما صنعنا في هذه المسألة التي أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بها وبكل ما ثبت عنه ﷺ.
ترك الأحاديث لعدم العلم بها بمن عمل بها وجوابه
٦- هذا ولعل فيمن ينصر السنة ويعمل بها ويدعو إليها من يتوقف عن العمل بهذه الأحاديث بعذر أنه لا يعلم أحدا من السلف قال بها فليعلم هؤلاء الأحبة أن هذا العذر قد يكون مقبولا في بعض المسائل التي يكون طريق تقريرها إنما هو الاستنباط والاجتهاد فحسب لأن النفس حينئذ لا تطمئن لها خشية أن يكون الاستنباط خطأ ولا سيما إذا كان المستنبط من هؤلاء المتأخرين الذين يقررون أمورا لم يقل بها أحد من المسلمين بدعوى أن المصلحة تقتضي تشريعها دون أن ينظروا إلى موافقتها لنصوص الشرع أولا مثل إباحة بعضهم للربا الذي سماه ب الربا الاستهلاكي واليانصيب الخيري - زعموا – ونحوهما! أما ومسألتنا ليست من هذا القبيل فإن فيها نصوصا صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها - كما سبق بيانه - فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور ولا سيما أننا قد ذكرنا من قال بها مثل
[ ٢٦٦ ]
أبي هريرة ﵁ وولي الله الدهلوي وغيرهما كما تقدم ولا بد أن يكون هناك غير هؤلاء ممن عمل بهذه الأحاديث لم نعرفهم لأن الله تعالى لم يتعهد لنا بحفظ أسماء كل من عمل بنص ما من كتاب أو سنة وإنما تعهد بحفظهما فقط كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فوجب العمل بالنص سوءا علمنا من قال به أو لم نعلم ما دام لم يثبت نسخه كما هو الشأن في مسألتنا هذه.
وأختم هذا البحث بكلمة طيبة للعلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى لها مساس كبير بما نحن فيه قال: في إعلام الموقعين ٣ / ٤٦٤ – ٤٦٥:
"وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له ﷺ والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان
[ ٢٦٧ ]
بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وبقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا يقول: من قال هذا؟ دفعا في صدر الحديث ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان".
[ ٢٦٨ ]