وهذا القيد مما توسَّع المعاصرون في بحثه وتفصيله (٤)، وسنتناوله تناولًا مغايرًا لمَا فعله الآخرون بتقسيمٍ وعرضٍ مختلف.
فإنّ لعمل المرأة خارج منزلها حالتين:
أ/ إمّا أن لا يأذن الزوج بالعمل.
ب/ أو أن يأذن لها به.
_________________
(١) الحاوي للماوردي ١١/ ١٠٤٢. وينظر: روضة الطالبين للنووي ٩/ ٨١.
(٢) المغني لابن قدامة ١١/ ٣٦٦.
(٣) نص عليه أيضًا: شيخ زاده في (مجمع الأنهر ١/ ٤٩٦)، والخرشي في (شرح مختصر خليل ٥/ ٢١٠)، والنووي في (روضة الطالبين ٩/ ٧٨).
(٤) مختصر شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، لمحمد زيد الأبياني ص ١٦٧، الفقه المقارن للأحوال الشخصية بدران أبو العنين بدران ص ٢٤١، النفقة الزوجية في الشريعة الإسلامية د. محمد يعقوب ص ١١٢.
[ ٤٠ ]
أ/ أثر عدم إذن الزوج بعمل المرأة في النفقة:
سَبَقَ في المبحث السَّابق (١) تفصيل آراء الفقهاء في هذه المسألة، وأن لهم ثلاثةَ آراءٍ:
أحدها: أن النفقة تسقط بالكُليّة. وهو قول الحنفيّة ومُخَرّجٌ على قول الشافعيّة.
والثاني: أنها لا تسقط مطلقًا. وهو قول بعض فقهاء السلف، ومخرّج على قاعدة الظاهرية في عدم سقوط نفقة الناشز.
والثالث: أن النفقة لا تسقط، وإنما تتشطّر بسبب خروجها. وهو قول فقهاء الحنابلة، وهو الرأي المُرجّح في المسألة.
ب/ أثر إذن الزوج بعمل المرأة في النفقة:
أمّا إذا رَضِي الزوجُ بعمل زوجته خارج بيتها وأذن لها فيه، فقد حُكي الاتفاق على أن نفقتها لا تسقط (٢)، وهذا فيه نظر فإن للفقهاءِ خلافًا في المرأة إذا خرجت أو سافرت بإذن الزوج في شُغل نفسها فهل تسقط نفقتها على قولين -يُخرّج حكم المسألة عليه-:
القول الأول: للجمهور (٣). أن النفقة لا تسقط بإذن زوجها لها بالعمل; لأن المرأة إنما فوّتتْ حقَّ الزوج بإذنه ورضاه، فكأنه هو مَن ابتدأ في إسقاط حقّه، فلا يُقابل هذا الإسقاط شيء، فلا يَسقطُ شيءٌ من حقوقها الثابتِة لها شَرعًا، وعلى ذلك فإنه يثبت للمرأةِ العاملةِ خارج منزلها النفقةُ إذا كان عملُها بإذن زوجها.
_________________
(١) ينظر ما تقدّم ص ٢٤.
(٢) كذا ذكر عمرو عبد الفتاح في كتابه (السياسة الشرعيّة في الأحوال الشخصية ص ٨٩).
(٣) ينظر للحنفية: الهداية للمرغيناني (مع حاشية اللكنوي) ٣/ ٣٧٨. وللمالكية: الكافي لابن عبد البر ص ٢٥٥، جامع الأمهات لابن الحاجب ص ٣٣٢. وللشافعية: نهاية المطلب ١٥/ ٤٥٢، التهذيب ٦/ ٣٤٥، العزيز ١٠/ ٣١. وللحنابلة: الشرح الكبير لابن أبي عمر ٢٤/ ٣٥٧.
[ ٤١ ]
والقول الثاني: قاله بعضُ الشافعيّة (١): إن نفقتَها تسقط بخروجها من بيته ولو كان بإذنٍ منه; لأن علّة ثبوت النفقة (وهو التمكين التام) قد فات بخروجها، وإذا انتفت العلّة انتفى الحُكم.
ولكن يُجاب عن ذلك: بأن إذن الزوج بالخروج بمثابة الاستيفاء ثم الإسقاط، فلا يُسلّم أن العلة قد انتفت مِن كُل وجه.
ولعلّ القول الأول أقرب، فلا تسقط النفقة بإذن الزوج بعمل المرأة خارج بيتها; إذ لو سقطت مع إذنه لمَا كان هناك مَعَنى لإذنه.
ووجوبُ النفقة كاملةً لا يَعني الاختلاف في تقديرها فإن معايير تقدير النفقة الزوجيّة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وملاءة المرأة وقدرتها المالية مؤثرٌ في تقدير النفقة.