محلُّ بحث هذه المسألة إذا كانت المرأة قد خرجت للعمل بغير إذن زوجها (سواءً كانت أجيرةً في هذا العمل، أو مالكةً له فلا فرق)، وأمّا إذا كان خروجها بإذن زوجها، أو إذا تخلّف أحد المناطات الآتية في المبحث التالي فإن الحُكم فيها يختلف; وسأتطرق له في مكانه -إن شاء الله-.
والحقيقة أن تناولَ الفقهاء -﵏- لهذه المسألة كان تناولًا عزيزًا، والنقولات عنهم فيه قليلة; حتى نصّ بعضهم على تسميتها بـ (الواقعة في الزمان) بمعنى أنه لم يتناولها أحدٌ ممن سبق هذا المفتي فيها (١).
وهذا في مقابل توسع المعاصرين في تناول هذه المسألة، وحرصهم على بحثها عند الحديث عن النفقات -وإن كان غالبُه للأسف مكررًا-.
وسأحرص على أن تكون الأقوال التي أذكرها إمّا مِن منصوص فقهائنا المتقدمين، أو مفهومةً منها (إيماءً)، أو مخرّجةً عليها، مع بيان بعض مَن وافق هذه الآراء من المعاصرين.
ويحسن التنبيه هنا إلى أن بعض المعاصرين قد أشار إلى أنّ الفقهاءَ متفقون على أن الزوجة المحترِفَة (العاملة) لا نفقةَ لها إذا لم يرضَ الزوج باحترافها وعملها، وطَلَبَ منها عدمَ العمل ولم تمتثل له (٢).
_________________
(١) ينظر كلام نجم الدين الزاهدي في ص ٢٥.
(٢) السياسة الشرعية في الأحوال الشخصيّة، د. عبد الفتاح عمرو ص ٨٨. =
[ ٢٣ ]
وهذا الاتفاقَ الذي نقلَهَ هو في الحقيقة في غير محلّه; لأنه بالنظر للنصوص الفقهيّة التي أشار لهَا الباحثُ الكريم وغيره نجد أنها نوعان من النصوص (١).
أحدهما: نصوصٌ منقولةٌ عن بعض فقهاء الحنفيّة في إسقاط نفقة المرأة المحترفة. وهذه لا غُبار عليها; لأنها اجتهادٌ منهم، وهو أحدُ الأقوال في المسألة.
والنوع الثاني من النقول: عن المذاهب الفقهيَّةِ الأخرى بسقوط النفقة عن المرأة الناشز، أو المرأة المسافرة. وهذه النقول لا تدلّ على مسألتنا; لأنها ليست صريحةً فيها، ولأن المناط مختلف كما سَبَقَ; لأن هذه المسألة لا تتعلّق بصورة سفر المرأة وإنما بالخروج النهاري للعمل فقط.