مسألة:
أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في القراءة في صلاة الفجر القراءة بطوال المفصل لكن يرد على هذا الأحاديث الواردة في القراءة في الفجر بأوساط المفصل وقصاره كحديث عمرو بن حريث القراءة بالتكوير٢ وحديث رجل من جهينة القراءة بالزلزلة٣ وحديث عقبة بن عامر٤ وعمرو بن عبسة٥ القراءة بالمعوذتين، وحديث ابن عمر٦ القراءة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ والصمد وغيرها.
لكن يمكن أن يجاب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن التخفيف لعارض من سفر أو بكاء صبي أو غير ذلك.
_________________
(١) ٢ حديث رقم (٧) . ٣ حديث رقم (٨) . ٤ حديث رقم (١١) . ٥ حديث رقم (١٢) . ٦ حديث رقم (١٨) .
[ ٢٧٦ ]
قال ابن القيم رحمه الله١: "وأما تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز" ٢ فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف في صلاة السفر وصلاة الخوف.
وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ٣ وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.
والقصر قصران: قصر أركان وقصر عدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصريين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقى مطلق القصر إما في العدد وإما في القدر".أ. هـ
وقال ابن رجب٤: "وقد حكى ابن عبد البر٥ الإجماع على تقصير القراءة في السفر وقال أصحابنا: لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر".
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (١/٤١٥) زاد المعاد (١/٢٠٩) . ٢ انظر: حديث رقم (٣٩) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٦٦رقم٧٣٣) كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في العشاء. ومسلم في صحيحه (١/٣٣٩ رقم ٤٦٤) كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء. ٤ فتح الباري له (٧/٤٥) . ٥ الإستذكار (٤/١٧٨) .
[ ٢٧٧ ]
وقال إبراهيم النخعي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون في السفر بالسور القصار.
خرجه ابن أبي شيبة"١. أ. هـ
ومما يؤيد هذا الوجه وأن هذا ليس منه ﷺ دائما ما في حديث الرجل من جهينة٢ من قراء النبي ﷺ بالزلزلة في الركعتين كلتيهما.
قال الراوي: فلا أدري أنسى رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا، فلو كان شأن رسول الله ﷺ التخفيف دائمًا ما حصل هذا الاستفهام.
الثاني: أن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز ففي غالب أحواله ﷺ يقرأ بطوال المفصل لكنه قرأ بقصار المفصل ليبين للأمة جواز ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله٣: "ولو قدر أنه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وأن الاقتصار على ذلك لعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضًا فلا نضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل.
وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالين ما خرج عن
_________________
(١) ١ في مصنفه (١/٣٦٦) كتاب الصلاة، باب من كان يخفف القراءة في السفر ورجال إسناده ثقات لكن مرسل إبراهيم لم يلق أحدًا من أصحاب النبي ﷺ قاله ابن المديني. المراسيل (٩) . ٢ حديث رقم (٨) . ٣ تهذيب السنن (١/٤١٦) .
[ ٢٧٨ ]
الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وائتم به ﷺ".أ. هـ
فإن قيل فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة مطلقًا يجاب عن ذلك بما ذكره ابن القيم رحمه١: "من أنه يرجع في التخفيف المأمور بة إلى فعله ﷺ فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخًا.
وفي صحيح مسلم٢ عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: "طول صلاة الرجل وقصر خطبتة مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرًا" فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عامًا في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عامًا فظاهر وإن كان خاصًا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيمًا وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل في وقت البرد والراحة مع قلة الجمع "أ. هـ.
وقال أيضًا٣: "إن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضه الله إليه فلا يجوز غير هذا البتة".
وقال ابن القيم أيضًا٤: "وأما ما رواه مسلم في صحيحه٥ من حديث جابر
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (١/٤١٣) . (٢/٥٩٤ رقم ٨٦٩) كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة. ٣ الصلاة وحكم تاركها لابن القيم (١٨٦) . ٤ تهذيب السنن (١/٤١٢) . ٥ تقدم حديث رقم (٥) .
[ ٢٧٩ ]
بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفًا.
فالمراد به -والله أعلم- أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:
أحدهما: أن مسلمًا روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: "سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) ونحوها" فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي مازال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل١ عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الأمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأما قوله: "ولا يصلي صلاة هؤلاء" فيحتمل أمرين:
أحدهما: لم يكن بحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.
والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي٢ عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات" وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه ﷺ أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٦٥رقم٧٢٩) كتاب صفة الصلاة، باب القراءة في المغرب. ومسلم في صحيحه (١/٣٣٨ رقم ٤٦٢) كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح. ٢ وتقدم تخريجه برقم (١٤) .
[ ٢٨٠ ]
صلى على المنبر، وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي"١.
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحرز والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة وكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله ﷺ ".أ. هـ
وقال أيضًا٣: "وأما إن قدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطوليه الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه (١/٣١٠،٣١١رقم٨٧٥) كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر. ومسلم في صحيحه (١/٣٨٦-٣٨٧ رقم ٥٤٤) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٢٦ رقم ٦٠٥) كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر إذا كانوا جماعة ٣ تهذيب السنن (١/٤١٦) .
[ ٢٨١ ]
أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءً يسيرًا من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكى منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان". أ. هـ
[ ٢٨٢ ]