لا خلاف بين أهل العلم، ﵏، في استحباب الغسل لمن أتى الجمعة؛ وقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على هذا (١).
_________________
(١) انظر: الجامع الصحيح (٢/ ٣٧٠، ٣٧١) البحر الرائق (١/ ٦٦) رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٦٨) التمهيد (٤/ ٦٣٠) البيان (٢/ ٥٨٣) المجموع (٤/ ٤٠٨) المغني (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥). وعن الإمام أحمد ﵀: أنه واجب؛ وقيده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بمن له عرق، أو ريح يتأذى به الناس، وهذا من مفردات المذهب والصحيح إن شاء الله، أنه مستحب وليس بواجب. انظر التمهيد (٤/ ٦٣٠) المغني (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٧) الإنصاف (٢/ ٤٠٧).
[ ١١٩ ]
قال الإمام ابن عبد البر ﵀: قد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب (١).
وعن الإمام أحمد ﵀: أنه واجب؛ وقيده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بمن له عرق، أو ريح يتأذى به الناس، وهذا من مفردات المذهب، والصحيح، إن شاء الله أنه مستحب وليس بواجب.
واستدل جمهور أهل العلم: على استحباب الغسل يوم الجمعة بأدلة كثيرة؛ من السنة الصحيحة، وآثار سلف الأمة؛ منها:
١ - ما رواه سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٢).
٢ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٣).
_________________
(١) التمهيد (٤/ ٦٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢١٤، ٢١٥) كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة (٨٨٣).
(٣) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ٣٦٩) كتاب الجمعة باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة (٤٩٧) وحسنه. والنسائي في السنن الصغرى (٣/ ٦٥، ٦٦) كتاب الجمعة باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة (١٣٨٠) وابن ماجة في سننه (١٥٣) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في ذلك (١٠٩). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (١/ ٣٢٤) (٩٠٢).
[ ١٢٠ ]
قال الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة، ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة» (١).
٣ - وعن ابن عمر ﵄: «أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة، دخل رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟! فقال إني شغلت اليوم فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت! قال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل» (٢).
وجاء في رواية لمسلم أن الرجل الذي دخل هو عثمان بن عفان ﵁ (٣).
_________________
(١) الجامع الصحيح (٢/ ٣٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢١٣) كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة (٨٧٨) ومسلم في صحيحه (٣٢٨) في أول كتاب الجمعة (٣/ ٨٤٥).
(٣) أخرجه في صحيحه (٣٢٨) أول كتاب الجمعة (٤/ ٨٤٥).
[ ١٢١ ]
وهذا صريح في أن غسل يوم الجمعة ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لما خفي على عثمان، وعلى من حضر من الصحابة، ولم يترك عمر عثمان ﵄ حتى يرده ويأمره بالغسل (١).
وإذا تقرر هذا؛ فإن وقت الغسل للجمعة في قول جمهور أهل العلم، يكون بعد طلوع الفجر، فمن اغتسل بعد ذلك أجزأه، سواء راح بعده للجمعة أم تأخر، وإن اغتسل قبل الفجر لم يجزئه (٢).
لأن النبي - ﷺ - قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ..» (٣).
فعلقه على اليوم، واليوم يكون من طلوع الفجر (٤).
وقال - ﷺ -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٥) ولم يفرق بين أن يروح بعده، أو لا يروح (٦).
_________________
(١) انظر: الجامع الصحيح (٢/ ٣٧١) البيان (٢/ ٥٨٣) المغني (٣/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٦٩) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٢٣٤) البيان (٢/ ٥٨٤) المجموع (٤/ ٤٠٨، ٤٠٩) المغني (٣/ ٢٢٧).
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٤) انظر: البيان (٢/ ٥٨٤) المغني (٣/ ٢٢٧).
(٥) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٦) انظر: البيان (٢/ ٥٨٥).
[ ١٢٢ ]
وقيده أكثر المالكية: بأن يتعقبه الرواح إلى الجمعة؛ فإن لم يرح عقبه لم يجزئه (١).
لأن النبي - ﷺ - رتب الخروج للجمعة في بعض ألفاظ الحديث بعد الغسل (٢).
ورأي الجمهور أولى، والله تعالى أعلم؛ لأن الغسل لأجل يوم الجمعة، فهو عيد الأسبوع؛ واليوم يبدأ من طلوع الفجر؛ ثم إن الأحاديث في فضل غسل الجمعة عامة، لم تقيده بالخروج بعده.