اتفق أهل العلم على أنه يجب الإمساك بنية التعبد لله تعالى عن الأكل والشرب والجماع، وسائر المفطرات الحسية والمعنوية، من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، على كل من كان من أهل الصيام الشرعي، وهو المسلم المكلف البالغ العاقل القادر المقيم، الخالي من الموانع الشرعية (١).
قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال عدي بن حاتم ﵁: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
_________________
(١) انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٧١) وما بعدها عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٧) وما بعدها بداية المجتهد (٢/ ١٤٩، ١٥٠) البيان (٢/ ٣٤) (٤٩٧) المغني (٤/ ٣٢٥).
[ ٦١ ]
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكرت له ذلك فقال: «إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار» (١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة .. وكان سبب نزول هذه الآية: ما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: "كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري، كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ففرحوا بها فرحًا شديدًا
_________________
(١) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ٦٢ ]
ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) (٢).
فأباح الله تعالى الأكل والشرب، مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣).
وقال ابن قدامة ﵀: "يعني بياض النهار من سواد الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر، قال ابن عبد البر، في قول النبي - ﷺ -: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٤).
دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا قول جماعة علماء المسلمين (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦١) في تفسير الآية من كتاب الصوم (١٩١٥).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٤).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٥٨) كتاب الأذان باب الأذان قبل الفجر (٦٢٣) ومسلم في صحيحه (٤٢٣) كتاب الصيام باب بيان أن الدخول في الصيام يحصل بطلوع الفجر (١٠٩٢).
(٥) المغني (٤/ ٣٢٥)، وانظر كلام ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٢٠).
[ ٦٣ ]
فمن أتى بشيء من المفطرات بعد طلوع الفجر، عامدًا متعمدًا عالمًا بالتحريم، غير مكره ولا معذور شرعًا وهو ممن يلزمهم الصيام، بطل صومه، ووجب عليه القضاء والكفارة، إن كان جماعًا بلا خلاف بين أهل العلم في الجملة، إنما الخلاف بينهم فيما يفطر الصائم، وما لا يفطره (١).