الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم الذي لا يتم الحج إلا به بإجماع أهل العلم (١)؛ لما روى عبد الرحمن بن يعمر، رضي الله تعالى عنه: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله - ﷺ - وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا، فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج (٢) ..
_________________
(١) انظر: الإجماع (٢١) أضواء البيان (٥/ ٢٥٤، ٢٥٨) المغني (٥/ ٢٦٧).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٣/ ٢٣٧) كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، (٨٨٩) والنسائي في السنن الصغرى (٥/ ١٨٧) كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، (٣٠٤٤) وابن ماجة في سننه (٤٣٦، ٤٣٧) كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٣٠١٥). وصححه النووي في المجموع (٨/ ١٢٤) والألباني في الإرواء (٤/ ٢٥٦) (١٠٦٤).
[ ٧٨ ]
وله وقت ابتداء، ووقت فضيلة، ووقت انتهاء:
فأما وقت الانتهاء: فيأتي بيانه، إن شاء الله، في المسألة التالية.
وأما وقت الفضيلة: فهو من بعد زوال الشمس يوم عرفة، حتى غروبها، بإجماع أهل العلم (١) لفعله - ﷺ - الثابت عنه في صحيح مسلم، من حديث جابر ﵁ المشهور في صفة حجة النبي - ﷺ - وفيه قال: «حتى إذا زاغت الشمس»، أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس .. ثم أذن ثم أقام؛ فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا ثم ركب - ﷺ - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص (٢).
وأما وقت الابتداء: فقد اختلف أهل العلم في أول وقت الوقوف بعرفة على قولين:
القول الأول: إن أول وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة؛ وإليه ذهب الحنابلة، وهو من
_________________
(١) انظر: المسالك في المناسك (١/ ٥٠١) بداية المجتهد (٢/ ٢٧٣) البيان (٤/ ٣١٧) المغني (٥/ ٢٧٥).
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ٧٩ ]
مفردات المذهب (١).
والقول الثاني: إن أول وقت الوقوف بعرفة يبدأ بعد زوال الشمس من يوم عرفة؛ وإليه ذهب الجمهور: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام (٢).
والاعتماد عند مالك ﵀ في الوقوف هو الليل، والنهار تبع له، فلا بد من الوقوف في الليل ولو لحظة، فإن لم يقف في جزء من الليل لم يجزه ذلك الوقوف (٣).
استدل الحنابلة على أن وقت الوقوف يبدأ بطلوع الفجر بما يلي:
١ - حديث عروة بن مضرس ﵁ قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله! إني أقبلت من جبلي طييء (٤) لم
_________________
(١) انظر: المغني (٥/ ٢٧٤) الشرح الكبير ومعه الإنصاف (٩/ ١٦٧) الكافي (٢/ ٤٢٩) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٠).
(٢) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٥٨) المبسوط (٤/ ٥٥) المسالك في المناسك (١/ ٥١١) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤٠٥) بداية المجتهد (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤) المجموع (٨/ ١٢٧، ١٢٨، ١٤١) البيان (٤/ ٣١٧) كتاب الحج من الحاوي الكبير (٢/ ٦٧٠) المغني (٥/ ٢٧٤، ٢٧٥) الإنصاف (٤/ ٢٩) الشرح الممتع (٧/ ٣٣٠).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤٠٥) الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٣٥٩) مواهب الجليل (٣/ ٩٤).
(٤) جبلا طيئ هما أجا وسلمى؛ وهما جبلان مشهوران معروفان شمال الجزيرة العربية إلى القريات من ناحية الشام، سمي أولهما باسم رجل، وثانيهما باسم امرأة من العماليق. انظر: معجم البلدان (١/ ١١٩) وما بعدها؛ (٢/ ١١٨) آثار البلاد وأخبار العباد (٧٤).
[ ٨٠ ]
أدع حَبْلًا (١) إلا وقفت عليه؛ فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من صلى هذه الصلاة معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه (٢)» (٣).
والوجه منه: أنه حجة في أنَّ نهار عرفة كله وقت للوقوف؛ لأن النبي - ﷺ - بين له أن من وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، ولم يقيده بما بعد الزوال؛ لأن النهار اسم من انفجار الصبح إلى غروب الشمس (٤).
_________________
(١) الحبل: هنا يراد به المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه الذي يمتد ويطول كالجبل، جمعه: حبال، والحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل. انظر: لسان العرب (٣/ ٣٠) المعجم الوسيط (١/ ١٥٣) (حبل).
(٢) التفث: ما يصيب المحرم بالحج من ترك الادهان والغسل والحلق؛ وإزالته من مناسك الحج. انظر: لسان العرب (٢/ ٣٧) المعجم الوسيط (١/ ٨٥) (تفث).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في السنن الصغرى (٥/ ١٨٦، ١٨٧) كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (٣٠٤١) وأبو داود في السنن (٢٨٥) كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (١٩٥٠) وابن ماجة في سننه (٤٣٧) كتاب المناسك باب من أتي عرفة قبل الفجر ليلة جمع، (٣٠٦١) والحاكم في كتاب المناسك (١٧٠١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث، وهو قاعدة من قواعد الإسلام" اهـ. ووافقه الذهبي في التلخيص، المستدرك ومعه التلخيص (١/ ٦٣٤). وصححه النووي في المجموع (٨/ ١٢٦) وابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٥٦).
(٤) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٥٨، ٢٦٠) المسالك في المناسك. (١/ ٥١٢) المغني (٥/ ٢٧٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٠، ٣٣١).
[ ٨١ ]
٢ - ولأن ما بعد طلوع الفجر من يوم عرفة، فكان وقتًا للوقوف؛ كبعد الزوال، وترك الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتًا للوقوف؛ كبعد العشاء، وإنما وقف النبي - ﷺ - وخلفاؤه من بعده وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف (١).
واستدل الجمهور على أن أول وقت الوقوف بعرفة يكون بعد الزوال بما يلي:
١ - فعله - ﷺ - الثابت عنه؛ حيث وقف بعد زوال الشمس؛ كما في حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي - ﷺ - (٢)،
وكان - ﷺ - يقول للصحابة الذين حجوا معه بين الحين والآخر «خذوا عني مناسككم» (٣).
٢ - ما رواه الإمام البخاري في صحيحه: عن سالم بن عبد الله ﵄ قال: "كتب عبد الملك إلى الحجاج: أن لا يخالف ابن عمر في الحج؛ فجاء ابن عمر ﵄ وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق (٤) الحجاج،
_________________
(١) انظر: المغني (٥/ ٢٧٥).
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث. وانظر: أضواء البيان (٥/ ٢٥٨، ٢٦٠) المسالك في المناسك (١/ ٥١٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣١).
(٣) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٤) السرادق: كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٢٣) (سردق).
[ ٨٢ ]
فخرج وعليه ملحفة معصفرة (١)؛ فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟! قال: نعم! قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله، قال: صدق (٢).
والوجه منه: أن ابن عمر ﵄ أشار بذلك إلى ما جاءت به سنة رسول الله - ﷺ -، وعمل به خلفاؤه الراشدون ﵄ من بعده؛ فعلم منه أن ما قبل الزوال لم تأت به السنة، ولا شرعه رسول الله - ﷺ - (٣).
٣ - ولأنه - ﷺ - نزل بوادي نمرة في عرنة، وهي ليست
_________________
(١) الملحفة المعصفرة: هي الملاءة المبطنة أو المحشية التي يلتحف ويتغطى بها، جمعها: ملاحف. والملاءة: هي الريطة، جمعها: ملاء؛ وهي القطعة الواحدة من الثياب التي يؤتزر بها أحيانًا وترتدي أحيانًا والمعصفرة، أي المصبوغة بالعصفر، وهو نبت يهرئ اللحم الغليظ، يصبغ به. انظر: القاموس المحيط (٥٦٧) (عصفر) لسان العرب (١٢/ ٢٥٠) (لحف) (١٣/ ١٦٧) (ملأ) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٢) كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة (١٦٦٠).
(٣) انظر: كتاب الحج من الحاوي الكبير (٢/ ٦١٧).
[ ٨٣ ]
من عرفة، ولو كان ما قبل الزوال وقتًا للوقوف لنزل في مكان الوقوف لا في غيره؛ لأن حضوره ونزوله في موضع الطاعة والقربة، أفضل وأكثر ثوابًا من نزوله في غيره (١).
وحملوا حديث عروة، الذي استدل به الحنابلة، على أن المراد منه: أنه وقف نهارًا فيما يصح الوقوف فيه؛ فيكون قوله - ﷺ - في حديث عروة مطلقًا، قيدته السنة الفعلية منه - ﷺ - (٢).
أو أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور: خصوص ما بعد الزوال؛ بدليل أن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين، بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله؛ ففعله - ﷺ - وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله - ﷺ -: «أو نهارًا» (٣).
واستدل المالكية: على تخصيص الإجزاء بالليل: بما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٤).
_________________
(١) انظر: المسالك في المناسك (١/ ٥١٣).
(٢) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣١).
(٣) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٥٨، ٢٦٠) المسالك في المناسك (١/ ٥١٣).
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ٢٦٣) كتاب الحج، باب الوقوف بعرفات (٢٥١٨) وضعفه برحمة بن مصعب .. وكذا ضعفه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٩٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٧٤) كتاب الحج، باب إدراك الحج بإدراك عرفة، قبل طلوع الفجر من يوم النحر؛ وشمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني (بهامش سنن الدارقطني).
[ ٨٤ ]
والذي يظهر، والله تعالى أعلم: أن كلا الرأيين؛ رأي الحنابلة، ورأي الجمهور: له حظ من النظر (١):
لأن النهار في حديث عروة اسم من انفجار الصبح إلى غروب الشمس وقد أطلق النبي - ﷺ - أن من كان وقف بعرفة قبل طلوع الفجر من يوم العيد، ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وهذا يشمل ما بعد الفجر من يوم عرفة قطعًا، وقوله - ﷺ - أبلغ في الدلالة من فعله. وكونه - ﷺ - لم يقف إلا بعد الزوال؛ لا يدل على أن ما قبله ليس وقتًا للوقوف وإنما فعل - ﷺ - الأفضل. على أن الأحوط عدم الاقتصار على أول النهار (٢).
أما تشدد المالكية: ﵏، في تخصيص الإجزاء بجزء من الليل: فإنه ضعيف لا يثبت له دليل، ثم هو مردود بفعله - ﷺ - وقوله.