زكاة الفطر من رمضان فرض بإجماع أهل العلم؛ تجب على كل مسلم فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة الفطر ويومه ما يؤدى في الفطرة، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًا كان أو عبدًا، وتجب على اليتيم، ويخرج عنه وليه من ماله، في قول عامة أهل العلم (٢).
قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم أحدًا خالف في هذا إلا محمد بن الحسن، قال: ليس في مال الصغير من المسلمين صدقة (٣).
ودليل الجمهور: ما ثبت في الصحيحين (٤) من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفكر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد
_________________
(١) انظر: المغني (٣/ ٢٥٨).
(٢) انظر: البحر الرائق (٢/ ٢٧٠) رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٥٨، ٣٥٩) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٣٦) البيان (٣/ ٣٥٠، ٣٥١) المجموع (٦/ ٦١) المغني (٤/ ٢٨٣) الإنصاف (٣/ ١٧٦).
(٣) المغني (٤/ ٢٨١، ٢٨٣) وانظر: الإجماع (١٣).
(٤) صحيح البخاري (٣٦٦) كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر (١٥٠٣) وصحيح مسلم (٣٨٠) كتاب الزكاة باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (٩٨٤).
[ ١٢٥ ]
والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
وإذا تقرر هذا؛ فإن وقت وجوب إخراج زكاة الفطر من رمضان محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: إن زكاة الفطر تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ وإليه ذهب طائفة من فقهاء السلف، وهو إحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين عن الشافعي، ومذهب الحنابلة (١).
والقول الثاني: إن زكاة الفطر تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر. وإليه ذهب بعض فقهاء السلف، وهو مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن مالك، والقول القديم عن الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه (٢).
استدل أصحاب القول الأول؛ على أن وقت وجوب زكاة الفطر هو غروب الشمس، من آخر يوم من رمضان بأدلة، منها.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٣٦، ٣٣٧) بداية المجتهد (٢/ ١٣٦) البيان (٣/ ٣٦٥، ٣٦٦) المجموع (٦/ ٨٤، ٨٥) المغني (٤/ ٢٩٨، ٢٩٩) الإنصاف (٣/ ١٧٦).
(٢) انظر: البحر الرائق (٢/ ٢٧٤) رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٦٧) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٣٦، ٣٣٧) بداية المجتهد (٢/ ١٣٦) البيان (٣/ ٣٦٥، ٣٦٦) المجموع (٦/ ٨٤، ٨٥) الإنصاف (٣/ ١٧٦).
[ ١٢٦ ]
١ - قول ابن عباس ﵄: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (١).
والوجه منه: أن الوجوب إنما يكون على من أدرك جزءًا من الصيام وبعد طلوع الفجر لا يكون مدركًا لذلك (٢).
٢ - حديث ابن عمر السابق؛ وفيه «فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان» (٣).
والوجه منه: أن النبي - ﷺ - أضاف الصدقة إلى الفطر من رمضان، والفطر من رمضان إنما يكون إذا غابت الشمس من آخر يوم منه، فكانت مختصة وواجبة به؛ كزكاة المال (٤).
واستدل أصحاب القول الثاني؛ على أن وقت وجوب
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٣٨، ٢٣٩) كتاب الزكاة باب زكاة الفطر (١٦٠٩) وابن ماجة في سننه (٢٦٢) كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر (١٨٢٧) والحاكم في كتاب الزكاة (١٤٨٨) وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، المستدرك ومعه التلخيص (١/ ٥٦٨) وأقره ابن حجر في بلوغ المرام (١٩٥، ١٩٦) (٥٠٧). وحسنه النووي في المجموع (٦/ ٨٥) والألباني في الإرواء (٣/ ٣٣٢) (٨٤٣).
(٢) انظر: البيان (٣/ ٣٦٦).
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق.
(٤) انظر: البيان (٣/ ٣٦٦) المغني (٤/ ٢٩٩).
[ ١٢٧ ]
زكاة الفطر هو طلوع الفجر من يوم الفطر بأدلة؛ منها:
١ - ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - فرض زكاة الفطر، وقال: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» (١).
والوجه منه: أن المراد باليوم يوم الفطر، فدل هذا على أنه وقت الوجوب؛ لأن الإغناء لا يحصل بدفعها قبله (٢).
ورد هذا الاستدلال: بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة (٣).
٢ - حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر .. وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٤).
والوجه منه: أنه - ﷺ - أمر بإخراجها قبل صلاة العيد، فدل هذا على أن وقت وجوبها بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة العيد (٥).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ٨٩) كتاب زكاة الفطر (٢١٣٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٧٥) كتاب الزكاة. وضعفه النووي في المجموع (٦/ ٨٥) وابن حجر في فتح الباري (٣/ ٤٣٩) والألباني في الإرواء (٣/ ٣٣٢) (٨٤٤).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٦٧) البيان (٣/ ٣٦٦).
(٣) انظر: المجموع (٦/ ٨٥) فتح الباري (٣/ ٤٣٩) المغني (٤/ ٢٩٨، ٢٩٩).
(٤) انظر: تخريجه فيما سبق.
(٥) انظر: نيل الأوطار (٤/ ٢١٣، ٢١٧).
[ ١٢٨ ]
ورد هذا: بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر (١).
٣ - ولأنها قربة وحق يتعلق بمال مخرج في يوم العيد، فوجب ألا يقدم وقتها يوم العيد؛ كالأضحية (٢).
ورد هذا: بعدم التسليم بأنها تتعلق بيوم العيد، بل صرحت الأحاديث، كما في أدلة القول الأول، بأنها تتعلق بآخر يوم من رمضان، وما ذكروه من الأضحية لا يسلم لهم؛ فإن الأضحية لا تتعلق بطلوع الفجر (٣).
والذي يظهر: والله تعالى أعلم، أن الراجح هو القول الأول، أن وقت وجوب زكاة الفطر من رمضان هو غروب الشمس من ليلة العيد؛ لقوة أدلة هذا القول، وصراحتها في الدلالة على المراد؛ وضعف أدلة القول الآخر.
هذا من حيث وقت الوجوب، وتعلقها في الذمة.
وأما وقت الجواز: فقد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين؛ كما
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٢/ ١٩٨) نيل الأوطار (٤/ ٢١٣، ٢١٤).
(٢) انظر: بداية المجتهد (٢/ ١٣٦) البيان (٣/ ٣٦٦) المغني (٤/ ٢٩٩).
(٣) انظر: المغني (٤/ ٢٩٩).
[ ١٢٩ ]
ثبت عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يعطيها الذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (١).
وهذا كالإجماع منهم على جواز تقديم إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ لأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها؛ فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطلب فيه (٢).
وأما أفضل أوقات إخراجها: فالمستحب أن يخرجها يوم العيد قبل الصلاة، فإن هذا هو عمل أكثر السلف (٣)؛ والنبي - ﷺ - كما في حديث ابن عمر: أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٤).