وقت صلاة العشاء المختار يبدأ، بلا خلاف، بغيبوبة الشفق، وينتهي بذهاب ثلث الليل على المشهور في قول أكثر أهل العلم، وقال بعضهم: إلى منتصف الليل (٢).
فإذا ذهب ثلث الليل، أو نصفه ذهب وقتها المختار، وبقي وقت الجواز والضرورة إلى طلوع الفجر الثاني (٣).
ودليل ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال:
_________________
(١) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق.
(٢) وهل المراد بالشفق الذي يبدأ به وقت صلاة العشاء: الأحمر، أو الأبيض قولان متقابلان مشهوران لأهل العلم، أنظرهما بأدلتهما في: البيان (٢/ ٢٩، ٣٠) المغني (٢/ ٢٧، ٢٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٤) المبسوط (١/ ١٤٤، ١٤٥) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٣، ١٠٦، ١٠٧) الأوسط في السنن والإجماع (٢/ ٣٣٨، ٣٤٧) البيان (٢/ ٢٩ - ٣١) المغني (٢/ ٢٧، ٢٨) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية (٥٢).
[ ٣٧ ]
رسول الله - ﷺ -: «أمَّني جبريل عند البيت» وفيه: «ثم صلي العشاء حين غاب الشفق .. وصلى المرة الثانية .. العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل .. ثم التفت إلى جبريل فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين» (١).
وعن عروة أن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - بالعشاء، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء، والصبيان! فخرج فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم» قال: ولا يُصَلَّى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط» (٣).
والمختار عند أكثر أهل العلم: أن وقت العشاء المختار
_________________
(١) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٦) كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم قبل العشاء لمن غلب (٥٦٩) ومسلم في صحيحه (٢٥٠، ٢٥١) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها (٢١٨) (٦٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٢، ٢٤٣) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس (١٧٣) (٦١٢).
[ ٣٨ ]
ينتهي بثلث الليل؛ لأن جبريل ﵇ صلى بالنبي - ﷺ - في المرة الثانية ثلث الليل. وقال: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» (١).
ولأن النبي - ﷺ - كما في حديث بريدة، رضي الله تعالى عنه: «صلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» (٢).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "ولأن ثلث الليل يجمع الروايات، والزيادة تعارضت الأخبار فيها، فكان ثلث الليل أولى .. والأولى، إن شاء الله تعالى، أن لا يؤخرها عن ثلث الليل، وإن أخرها إلى نصف الليل جاز، وما بعد النصف وقت ضرورة، الحكم فيه حكم وقت الضرورة في صلاة العصر، على ما مضى شرحه وبيانه، ثم لا يزال الوقت ممتدًا حتى يطلع الفجر الثاني (٣).
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن آخر وقت العشاء المختار ينتهي بطلوع الفجر الثاني (٤) لما روى أبو
_________________
(١) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٣، ٢٤٤) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، (١٧٧) (٦١٣).
(٣) المغني (٢/ ٢٨، ٢٩) وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع (١/ ٤٧٦، ٤٧٧).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٤) بداية المجتهد (١/ ٢٤١، ٢٤٢) حاشية ابن قاسم على الروض المربع (١/ ٤٧٥) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢/ ١٠٨).
[ ٣٩ ]
قتادة ﵁ قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: «.. إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (١).
فإنه يدل على أن أوقات الصلوات متصلة، وإذا كان الأمر كذلك، فآخر وقت العشاء الآخرة هو طلوع الفجر الثاني (٢).
ولكن هذا ضعيف جدًا، فإنه إنما ورد في القضاء حال العذر بالنوم وغيره، ثم هو مقصور على ما كان من الصلوات وقتهما متصل؛ كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وأما ما كان وقتهما منفصل عن الآخر؛ كالعشاء مع الفجر، فلا يشمله؛ بدليل حديث جبريل المشهور في تحديد مواقيت الصلاة (٣).
وإذا تقرر هذا: فإن وقت الضرورة لصلاة العشاء يمتد حتى طلوع الفجر الثاني؛ فمن كان من أهل الأعذار الشرعية؛ كالحائض والنفساء تطهران والكافر يسلم، والصبي يبلغ،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٨، ٢٦٩) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (٣١١) (٦٨١).
(٢) انظر: بداية المجتهد (١/ ٢٤١، ٢٤٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢/ ١٠٨).
(٣) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢/ ١٠٨، ١٠٩).
[ ٤٠ ]
والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والنائم يستيقظ، والمريض يبرأ، فزال عذره قبل طلوع الفجر الثاني، ولو بمقدار ركعة، فإنه يصلي العشاء أداء للضرورة (١).
لعموم قوله - ﷺ -: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢).
فإذا طلع الفجر الثاني انتهى وقت الضرورة لصلاة العشاء، ووجب على كل من كان من أهل وجوبها قبل طلوع الفجر أن يصليها قضاء؛ لعموم قوله - ﷺ - «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣)
فأما النائم والمريض والمغمى عليه؛ فإنهم يقضون
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٤) المبسوط (١/ ١٤٥) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٦، ١٠٧) بداية المجتهد (١/ ٢٤٧، ٢٤٨) الأم (٢/ ١٧١) البيان (٢/ ٤٧) المغني (٢/ ١٦، ١٧، ٢٨، ٢٩، ٥٠، ٥١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٨) كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، (٥٧٩) ومسلم في صحيحه (٢٤١) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (١٦٣) (٦٠٨).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (٢٧٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، (٣١٥) (٦٨٤) والبخاري في صحيحه (١٥١) بنحوه في كتاب مواقيت الصلاة باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة (٥٩٧).
[ ٤١ ]
الصلاة بعد الفجر، متى زال عذرهم؛ لعموم هذا الحديث (١).
وأما الصبي الذي لم يبلغ إلا بعد طلوع الفجر، والمجنون الذي لم يفق إلا بعد طلوع الفجر، والكافر الذي لم يسلم إلا بعد طلوع الفجر، والحائض والنفساء اللتان لم تطهرا إلا بعد طلوع الفجر، فلا يجب على أحد منهم قضاء صلاة العشاء؛ لأنهم حال وقت وجوبها كانوا معذورين بتركها، أو ليسوا من أهل وجوبها (٢).
قال ابن قدامة ﵀: "لا نعلم في ذلك خلافا" (٣).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقال - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٤) المبسوط (١/ ١٤٥) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٦، ١٠٧) بداية المجتهد (١/ ٢٤٧، ٢٤٨) الأم (٢/ ١٧١) البيان (٢/ ٤٧) المغني (٢/ ١٦، ١٧، ٥٠، ٥١).
(٢) انظر: المبسوط (١/ ١٤٥) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٦، ١٠٧) البيان (٢/ ٤٧، ٥٠) المغني (٢/ ٤٨ - ٥٠).
(٣) المغني (٢/ ٥٠) وانظر منه: (٢/ ٤٨).
(٤) أخرجه النسائي في سننه الصغرى (٦/ ١١٤) كتاب الطلاق باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (٣٤٣٢) وأبو داود في سننه (٦١٩) كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا (٤٣٩٨) وابن ماجة في سننه (٢٩٢) كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (٢٠٤١). وصححه الألباني وذكر طرقه وشواهده في الإرواء (٢/ ٤ - ٧). (٢٩٧).
[ ٤٢ ]
وتقول عائشة ﵂: «كان يصيبنا ذلك، يعني: الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١).