المستحب لمن شك: هل طلع الفجر، أم لا؟ ألا يأتي بشيء من المفطرات لئلا يغرر بصومه، فإن أتى بشيء منها، شاكًا في طلوع الفجر، ولم يتبين الأمر، فله ذلك حتى يتيقن طلوع الفجر، وصومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ في قول أكثر أهل العلم؛ وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (٢).
لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
_________________
(١) وقد اتفقوا على أنه يفطر بالأكل والشرب والجماع، واختلفوا فيما عد ذلك مما ليس هذا موضع بسطه وتفصيله: انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٩٤) وما بعدها عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٨) وما بعده البيان (٣/ ٥٠١) وما بعدها المغني (٤/ ٣٤٩) وما بعدها.
(٢) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين (٢/ ٣٥٤) بدائع الصنائع (٢/ ١٠٥) رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٤٠١، ٤٠٥، ٤٠٦) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٩) البيان (٣/ ٥٠٠) المغني (٤/ ٣٩٠).
[ ٦٤ ]
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فمد الأكل إلى غاية التبين، وقد يكون شاكًا قبل التبين، فلو لزمه القضاء لحرم عليه الأكل (١).
والنبي - ﷺ - يقول: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٢) وكان رجلا أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت (٣).
ولأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمان الشك منه، ما لم يعلم يقين زواله، بخلاف غروب الشمس، فإن الأصل بقاء النهار فبني عليه (٤).
وخالف المالكية الجمهور في المشهور؛ فقالوا: من أتى بشيء من المفطرات شاكًا في طلوع الفجر، وجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء الصوم في ذمته، فلا يسقط بالشك؛ ولأنه إذا أكل فعل ذلك شاكًا في النهار والليل، فلزمه القضاء كما لو فعل شاكًا في غروب الشمس (٥).
ورأي الجمهور أقرب وأظهر والله تعالى أعلم لموافقته للقرآن والسنة، ولأن الأصل بقاء الليل، والشك لا
_________________
(١) المغني (٤/ ٣٩١).
(٢) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: المغني (٤/ ٣٩١).
(٤) انظر: البيان (٣/ ٥٠٠) المغني (٤/ ٣٩١).
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٩) الخرشي على مختصر خليل (٣/ ٣٦) البيان (٣/ ٥٠٠) المغني (٤/ ٣٩٠، ٣٩١).
[ ٦٥ ]
يرفع اليقين، ولأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر، وما كان مأذونًا فيه، فإنه لا يُرَتَّب عليه مؤاخذة ولا إثم (١).
وقد كان عدي بن حاتم ﵁ يضع عقالين تحت وسادته؛ أحدهما أبيض، والآخر أسود؛ فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك فأخبر النبي - ﷺ - وبين له النبي - ﷺ - المراد في الآية ولم يأمره بالقضاء (٢).
بل إن الشارع الحكيم قد أذن لمن طلع عليه الفجر وأذن المؤذن وفي يده الإناء يشرب منه أن يقضي نهمته منه، فالشك من باب أولى أن يتسامح فيه (٣).
فقد روي أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» وفي لفظ: «وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر» (٤).
_________________
(١) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين (٢/ ٣٥٥).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٩) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين (٢/ ٣٥٦) وانظر تخريج الحديث فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين (٢/ ٣٦١، ٣٦٣).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢٠/ ١٦٤) باقي مسند المكثرين، (١٠٦٣٧) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. وأبو داود في سننه (٣٤٢) كتاب الصيام باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده (٢٣٥٠) والحاكم في كتاب الصوم (١٥٥٢) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، المستدرك ومعه التلخيص (١/ ٥٨٨). وصححه الألباني وذكر طرقه وشواهده في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٨١ - ٣٨٤) (١٣٩٤).
[ ٦٦ ]