اتفق أهل العلم على النهي عن التطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الثاني، إلى طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٨) من حديث أبي هريرة، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، (٣١٠) (٦٨٠) وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه (٧٥، ٧٦) كتاب الصلاة، باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها، (٤٤٤). وقال الألباني عن رواية أبي داود: "صحيح" صحيح سنن أبي داود (١/ ١٢٩) (٤٣٥).
(٢) أوقات النهي عن نوافل الصلاة عند أهل العلم مختلف في عددها، والذي عليه جمهور أهل العلم ودل عليه الدليل: أنها خمسة أوقات: من الفجر إلى طلوع الشمس وقت، ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت، وحال قيامها للظهيرة وقت، ومن العصر إلى شروع الشمس وقت، ومن حين تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب وقت. انظر المسألة بأدلتها في شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٣١) المبسوط (١/ ١٥١ - ١٥٣) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٣٧٥ - ٣٧٧) بداية المجتهد (١/ ٢٤٩) البيان (٢/ ٣٥١) المغني (٢/ ٥٢٣).
[ ٤٨ ]
ولم يستثن أهل العلم من ذلك النهي إلا قضاء الفوائت من الفرائض وبعض النوافل، وذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الطواف (١).
واستدل أهل العلم: على النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر الثاني، إلا ما استثنى بأدلة منها:
ما روى ابن عباس ﵄ قال: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٣).
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١٥١) تبيين الحقائق (١/ ٨٧) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١١٢) بداية المجتهد (١/ ٢٤٩) البيان (٢/ ٣٥١ - ٣٥٣ - ٣٥٧) المغني (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٥ - ٥٢٧) الشرح الممتع (٤/ ١٥٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٨، ١٤٩) كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس (٥٨١) ومسلم في صحيحه (٣٢١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (٢٨٦) (٨٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٩) كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس (٥٨٦) ومسلم في صحيحه (٣٢٢) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (٢٨٨) (٨٢٧).
[ ٤٩ ]
فدل هذان الحديثان وما في معناهما على النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس (١).
واستدل أهل العلم: على استثناء ذوات الأسباب، وقضاء الفرائض من هذا النهي بأدلة منها:
قوله - ﷺ -: «من نسي صلاة أو نام عنها؛ فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٢).
وقوله - ﷺ -: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٣).
فهذان نصان في المسألة، يدلان على جواز أداء الفرائض في آخر وقتها لمن فاته أوله، وقضائها في أوقات النهي (٤).
وقوله - ﷺ - فيما رواه جبير بن مطعم ﵁ «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة
_________________
(١) انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٠٦) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٣١) المغني (٢/ ٥١٣، ٥١٤).
(٢) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٤) انظر: ابن بطال شرح صحيح البخاري (٢/ ٢١٢) المبسوط (١/ ١٥٣) تبيين الحقائق (١/ ٨٧) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١١٢) البيان (٢/ ٣٥١، ٣٥٢) (٣٥٩ - ٣٦٠) المغني (٢/ ٥١٦).
[ ٥٠ ]
شاء من ليل أو نهار» (١).
وتقول عائشة ﵂: «ما كان النبي - ﷺ - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين» (٢).
وهاتان الركعتان اللتان كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر هما سنة الظهر، كما جاء في بعض الروايات، وهذا يدل على أن الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما يكره ما لا سبب لها؛ كما ذكر النووي وغيره (٣).
وعن أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٢٠) كتاب الحج باب ما جاء في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح لمن يطوف (٨٦٨) والنسائي في السنن الصغرى (٢/ ٢٠٢) كتاب المواقيت باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (٥٨٥) وابن ماجة في السنن (١٧٧) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت (١٢٥٤). وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩) (٤٨١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٥٠) كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها (٥٩٣) ومسلم في صحيحه (٣٢٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر (٨٣٥).
(٣) انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٢/ ٢١٠ - ٢١٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٣١، ٤٣٩، ٤٤٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٠) كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (٤٤٤) ومسلم في صحيحه (٢٨٢) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات (٧١٤).
[ ٥١ ]
فدلت هذه الأدلة على جواز صلاة ذوات الأسباب في هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ كركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، وغيرها من ذوات الأسباب (١).
_________________
(١) وقد خالف في هذا: الحنفية، والمالكية؛ فقالوا: لا تصلي ذوات الأسباب في أوقات النهي؛ استدلالا بعموم أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات. والصحيح الذي يدل عليه الدليل إن شاء الله، جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وأن النهي مقصور على إنشاء نافلة لا سبب لها إلا التطوع المطلق وأما ما كان له سبب؛ من طواف، أو دخول مسجد، أو قضاء سنة فائتة، فيجوز فعله في هذه الأوقات؛ جمعًا بين الأدلة. انظر: الجامع الصحيح (٣/ ٢٢٠) ابن بطال شرح صحيح البخاري (٢/ ٢١٠ - ٢١٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٣١) المبسوط (١/ ١٥١ - ١٥٣) تبيين الحقائق (١/ ٨٧) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١١٢) بداية المجتهد (١/ ٢٥٣) البيان (٢/ ٣٥١ - ٣٥٧) (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠) المغني (٢/ ٥١٧، ٥١٨) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢١٠، ٢١١). ومسألة ما يستثنى من أوقات النهي من الصلاة: لأهل العلم، ﵏ فيها تفصيلات كثيرة، وتفريعات دقيقة، أتيت منها مختصرًا على ما يتعلق بطلوع الفجر، والنهي بعده، وأشهر ما يستثنى من النهي في هذا الوقت على وجه الخصوص. وبقية التفريعات والتفصيلات يطول بها البحث ثم إنها تتعلق بأوقات النهي الأخرى، وهذا خارج محل البحث، وانظر هذه التفصيلات في المسألة بتفريعاتها وأدلتها في: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٠٢ - ٢١٢) المبسوط (١٥١ - ١٥٣) بداية المجتهد (١/ ٢٤٩ - ٢٥٥) البيان (٢/ ٣٥١ - ٣٦٠) المغني (٢/ ٥١٣ - ٢٣٧) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢١٠ - ٢١١).
[ ٥٢ ]
قال ابن قدامة ﵀: "مسألة (ويركع للطواف) يعني في أوقات النهي، وممن طاف بعد الصبح والعصر وصلى ركعتين: ابن عمر، وابن الزبير وعطاء، وطاوس وفعله ابن عباس والحسن والحسين، ومجاهد، والقاسم بن محمد وفعله عروة بعد الصبح، وهذا مذهب عطاء والشافعي، وأبي ثور (١).
وأما صلاة الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تميل للغروب: فلا خلاف بين أهل العلم في جوازها؛ حكي الإجماع على ذلك ابن المنذر والنووي، وابن قدامة وغيرهم (٢).
وهل النهي عن التنفل بالصلاة بعد طلوع الفجر الثاني يتعلق بطلوع الفجر أم يتعلق بالفراغ من صلاة الفجر؛ قولان لأهل العلم.
القول الأول: إن النهي متعلق بطلوع الفجر الثاني، وبناء على ذلك فلا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي سنة الفجر.
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم؛ الحنفية، والمالكية، والشافعية في وجه، والحنابلة في المشهور من مذهبهم (٣).
_________________
(١) المغني (٢/ ٥١٧).
(٢) انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٢/ ٢٠٦) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٣٤) المغني (٢/ ٥١٨).
(٣) انظر: تبيين الحقائق (١/ ٨٧) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٣٧٥، ٣٧٦) الشرح الصغير (١/ ٣٤٢ - ٣٤٤) البيان (٢/ ٣٥٧) نهاية المحتاج (١/ ٤٨٤) المغني (٢/ ٥٢٥، ٥٢٦) الشرح الممتع (٤/ ١٥٧).
[ ٥٣ ]
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - ما روى يسار مولى ابن عمر ﵁ قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول الله - ﷺ - خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» (١).
وفي لفظ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» (٢).
قال الإمام الترمذي ﵀: "ومعنى هذا الحديث إنما
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٩١) كتاب التطوع باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة (١٢٧٨) وابن ماجة في سننه (٣٦) مختصرًا في المقدمة (٢٣٥) وأحمد في المسند (١٠/ ٧٢) مسند المكثرين من الصحابة (٥٨١١) وصححه بمجموع طرقه وشواهده محققو المسند. والدارقطني في سننه (٢/ ٢٩٠) كتاب الصلاة، باب لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين (١٥٤٩ - ١٥٥٠). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣٥١) (١٢٧٨).
(٢) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩) كتاب الصلاة وصححه أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي. وأخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٤٦١) كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر، (٩٦٥) وأحمد في المسند (٨/ ٣٧٦) مسند المكثرين من الصحابة (٤٧٥٦) وصححه بمجموع طرقه وشواهده محققو المسند، وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢٣٢) (٤٧٨).
[ ٥٤ ]
يقول: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .. وهو ما اجتمع عليه أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر (١).
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» (٢).
قال ابن قدامة ﵀: "وهذا يبين مراد النبي - ﷺ - من اللفظ المجمل، ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة بالنهي، فإنه دليل خطاب، وهذا منطوق فيكون أولى" (٣).
فهذه الأدلة نص في المسألة، تبين أن النهي متعلق بطلوع الفجر الثاني، ولم يستثن من هذا النهي إلا ركعتي الفجر؛ لأن هذا هو وقتها.
واعترض على الاستدلال بهذين الحديثين من وجهين:
الوجه الأول: أنهما ضعيفان سندًا (٤).
_________________
(١) الجامع الصحيح (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط؛ كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١٨) والألباني في الإرواء (٢/ ٢٣٢) (٤٧٨) وصححه الألباني في الإرواء؛ وفي صحيح الجامع الصغير (١/ ١٧٨) (٦٧٨).
(٣) المغني (٢/ ٥٢٦).
(٤) انظر: مجمع الزوائد (٢/ ٢١٨) المحلى (٣/ ٥٣، ٥٤) الإرواء (٢/ ٢٣٢) (٤٧٨) الشرح الممتع (٤/ ١٥٨، ١٦١).
[ ٥٥ ]
والوجه الثاني: أنه على فرض صحته فهو محمول على نفي المشروعية؛ أي: لا يشرع للإنسان أن يتطوع بنافلة بعد الفجر، إلا ركعتي الفجر، فإن فعل لم يأثم (١).
ويجاب عن هذين الوجهين بما يلي:
أولًا: أما ضعف الحديث؛ فإنه مردود بأن الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، رضي الله عن الصحابة أجمعين، وقد بين العلامتان: أحمد شاكر، والألباني، رحمة الله عليهما، طرقه ورواياته، ورواته ومتابعاته بما لا مزيد عليه (٢).
وثانيًا: عدم التسليم بحمل الحديث على نفي المشروعية؛ بل هو نفي للصحة والوجود؛ لأن لا نافية، والأصل في النفي نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ثم نفي الكمال؛ لأن ما لا يصح شرعًا يكون معدوم الوجود شرعًا (٣).
٣ - ولأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه صلى بعد طلوع الفجر إلا سنة الفجر؛ فكان إذا أذن بلال ﵁ للفجر، صلى ركعتين خفيفتين (٤).
_________________
(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ١٦١).
(٢) انظر: تعليق أحمد شاكر على مسند الإمام أحمد بن حنبل (٨/ ١٤١ - ١٤٧) (٥٨١١) وتعليقه على المحلى (٣/ ٥٣، ٥٤) وتعليق الألباني (٤٧٨) الإرواء (٢٣٢ - ٢٣٦).
(٣) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ١٥٨، ١٥٩).
(٤) انظر: تخريج الحديث بذلك فيما سبق من هذا البحث.
[ ٥٦ ]
القول الثاني: إن النهي متعلق بفعل الصلاة (صلاة الصبح) فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره، ومن صلى الفجر فليس له التنفل وإن لم يصل أحد سواه، فإذا فرغ من صلاة الصبح، ابتدأ وقت النهي في حقه.
وإلى هذا القول ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في إحدى الروايتين (١).
واستدلوا على ذلك بأدلة؛ منها:
١ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» (٢).
٢ - ما رواه عمرو بن عبسة السلمي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٣).
_________________
(١) انظر: الشرح الصغير (١/ ٣٤٢، ٣٤٤) البيان (٢/ ٣٥٧، ٣٥٩) نهاية المحتاج (١/ ٤٨٤) المغني (٢/ ٥٢٥، ٥٢٦) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ١٦٠).
(٢) الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، وسبق تخريجه، وهذا لفظ مسلم (٨٢٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٣٢٣، ٣٢٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب إسلام عمرو بن عبسة (٨٣٢).
[ ٥٧ ]
حيث نص النبي - ﷺ - في هذين الحديثين على تعليق النهي بنفس الصلاة (١).
وأجيب عن الاستدلال بهذين الحديثين من وجهين:
الوجه الأول: أن النهي عن الصلاة في هذين الحديثين جاء مجملًا وقد بين النبي - ﷺ - المراد من هذا المجمل بقوله: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» (٢).
فهذا منطوق في المسألة، وهو أولى من دليل الخطاب (٣).
والوجه الثاني: أن حديث عمرو بن عبسة قد اختلفت ألفاظ الرواة فيه؛ فقد رواه ابن ماجة بلفظ: «فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح، ثم انته، حتى تطلع الشمس» (٤) وهذا يؤيد تعلق النهي بطلوع الفجر؛ وهو القول الأول.
٣ - ولأن لفظ النبي - ﷺ - في العصر علق على الصلاة دون وقتها، باتفاق أهل العلم، كما حكى ابن قدامة،
_________________
(١) انظر: البيان (٢/ ٣٥٧) المغني (٢/ ٥٢٥، ٥٢٦) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ١٦٠).
(٢) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: المغني (٢/ ٥٢٥).
(٤) السنن (١٧٦، ١٧٧) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة (١٢٥١). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٣٧٣، ٣٧٤) (١٠٤١).
[ ٥٨ ]
فكذلك الفجر، ولأنه وقت نهي بعد صلاة فيتعلق بفعلها، كبعد العصر (١).
ويجاب عن هذا: بأنه قياس مع الفارق، والفرق: أن الفجر جاءت فيه نصوص خاصة، تنهي عن الصلاة بعد طلوعه، إلا ركعتي سنة الفجر، كما في أدلة القول الأول بخلاف العصر، فإن غاية ما ورد فيه النهي عن الصلاة بعده حتى تغرب الشمس وهذا يجعل تعلق النهي بصلاة العصر نفسها.
والذي يظهر لي: والله تعالى أعلم: أن القول الأول أرجح؛ وهو أن النهي عن التنفل متعلق بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا يشرع للإنسان أن يصلي إلا ركعتي سنة الفجر، وذوات الأسباب، وقضاء الفوائت، لما يلي:
أولا: صحة أدلته، وصراحتها في المسألة.
ثانيًا: أن النبي - ﷺ - وهو المشهور بكثرة نوافله وقيامه لليل، لم يكن يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وكان يصليهما خفيفتين فسنة النبي - ﷺ - عدم التطوع بعد طلوع الفجر، والسنة أولى وألزم.
وقد ثبت عن إمام التابعين سعيد بن المسيب ﵀: "إنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها
_________________
(١) انظر: المغني (٢/ ٥٢٥، ٥٢٦).
[ ٥٩ ]
الركوع والسجود، فنهاه فقال: يا أبا محمد! يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (١).
ثالثًا: أن هذا هو إجماع السلف؛ كما حكى الترمذي، وابن قدامة عن النخعي (٢).