رمي جمرة العقبة يوم النحر واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، في قول جمهور أهل العلم، وهي تحية مني؛ وهي آخر الجمرات مما يلي مني، وأولها مما يلي مكة شرفها الله تعالى (٤).
ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء (٥).
فأما وقت الفضيلة: لرمي هذه الجمرة: فهو بعد طلوع
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤١٨) الاستذكار (١١/ ٢٤٦، ٢٤٧) البيان (٤/ ٣٢٥) المغني (٥/ ٢٨٢، ٢٨٣) منسك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦، ٧٧).
(٢) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: الاستذكار (١١/ ٢٦١).
(٤) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٩٣) مناسك ابن جماعة (٧٧) البيان (٤/ ٣٣٠) (٨/ ١٦٨) المغني (٥/ ٢٩١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٥) خالص الجمان (٢٢٥) مناسك الحج والعمرة لابن عثيمين (١٠٥، ١٠٧).
(٥) انظر أضواء البيان (٥/ ٢٨٠) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤١١، ٤١٢) المغني (٥/ ٢٩٤).
[ ١٠١ ]
الفجر بإجماع أهل العلم (١). لأن النبي - ﷺ - إنما رماها ضحى يوم النحر؛ قال جابر ﵁: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس» (٢).
وأما وقت الجواز لرمي هذه الجمرة: فمحل خلاف بين أهل العلم على أربعة أقوال (٣) بيانها على النحو التالي:
القول الأول: يبدأ وقت الجواز لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر الثاني يوم النحر، مطلقًا للقادر والعاجز. وإليه ذهب الحنفية، والمالكية والحنابلة في إحدى الروايتين (٤).
القول الثاني: يبدأ وقت الجواز لرمي جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر، مطلقًا للقادر والعاجز، وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة في الروايات الأخرى؛ وهي الصحيح من المذهب وعليها جماهير الأصحاب (٥).
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٥، ٢٧٦) المسالك في المناسك (١/ ٥٦٧) الاستذكار (١١/ ٢٦١) بداية المجتهد (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨٠) الإجماع (٢٢) البيان (٤/ ٣٣٠) المجموع (٨/ ١٦٨) المغني (٥/ ٢٩٤) حاشية ابن قاسم على الروض المربع (٤/ ١٥٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٥١٣) كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي (٣١٤) (١٢٩٩).
(٣) والخلاف في هذه المسألة له تعلق وثيق بالخلاف في الدفع من مزدلفة، انظر ما سبق من هذا البحث.
(٤) انظر: المبسوط (٤/ ٦٨) المسالك في المناسك (١/ ٥٦٧) الاستذكار (١١/ ٢٦١) مواهب الجليل (٣/ ١٣٦) المغني (٥/ ٢٩٥) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
(٥) انظر: البيان (٤/ ٣٣١) المجموع (٨/ ١٧٧) المغني (٥/ ٢٩٥) الفروع (٦/ ٥٤) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢) الإنصاف (٤/ ٣٧) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٦١).
[ ١٠٢ ]
القول الثالث: لا يجوز رمي جمرة العقبة مطلقًا إلا بعد طلوع الشمس. وإليه ذهب طائفة من فقهاء السلف؛ منهم: مجاهد، والثوري، والنخعي، وعزاه الترمذي لأكثر أهل العلم (١).
القول الرابع: التفريق بين الضعفة والعجزة وغيرهم؛ فيجوز الرمي بعد غياب القمر من ليلة النحر لمن له عذر أو يشق عليه مزاحمة الناس؛ كالمرضى والضعفة والعجزة، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له الرمي إلا بعد طلوع الشمس. وهو اختيار طائفة من المحققين من أهل العلم؛ منهم: ابن قيم الجوزية، والشوكاني، ومال إليه الشنقيطي (٢).
استدل أصحاب القول الأول: على أن وقت الجواز لرمي جمرة العقبة يبدأ بعد طلوع الفجر الثاني يوم النحر، مطلقًا للقادر والعاجز، بأدلة؛ منها:
١ - فعله - ﷺ - فإنه إنما رماها ضحى يوم النحر؛ قال جابر ﵁: "رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس (٣).
_________________
(١) انظر: الجامع الصحيح (٣/ ٢٤٠) الاستذكار (١١/ ٢٦٢) البيان (٤/ ٣٣١) المغني (٥/ ٢٩٥).
(٢) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٨٠) الاستذكار (١١/ ٢٦٢) نيل الأوطار (٥/ ٧٩) البيان (٤/ ٣٣١) المغني (٥/ ٢٩٥) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
(٣) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ١٠٣ ]
مع قوله - ﷺ - لأمته: «خذوا عني مناسككم» (١).
وهو - ﷺ - قد رمى في النهار، والنهار يبدأ من طلوع الفجر الثاني.
٢ - ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قدمه في ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا الجمار حتى تصبحوا» (٢).
فثبت الجواز بالإصباح، والصبح لا يكون إلا بعد طلوع الفجر الثاني (٣). قال الإمام مالك ﵀: "لم يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - أرخص لأحد أن يرمي قبل طلوع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها" (٤).
٣ - ما روى ابن عباس ﵄: "أن النبي - ﷺ - بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر" (٥).
_________________
(١) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٩/ ١٢٣) (٣٥٠٣) وحسنه لغيره محققه الشيخ شعيب الأرنؤوط وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٣٢) كتاب الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار (٢/ ٢١٧) المجموع (٨/ ١٧٧).
(٤) ولعل مقصوده بذلك: من ليس له عذر، انظر: الاستذكار (١١/ ٢٦١) بداية المجتهد (٢/ ٢٧٩).
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٢٠٧) وفيه (قبل الفجر)، وأحمد في مسند بني هاشم (٢٩٣٥) وهو حديث ضعيف الإسناد ثم هو مخالف لما صح من طرق عن ابن عباس؛ أن رسول الله - ﷺ - أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. انظر: مسند الإمام أحمد وتعليق المحققين عليه (٥/ ١٠٠) وسيأتي بإذن الله تخريج هذه الطريق في أدلة القول الثالث (١٠٩).
[ ١٠٤ ]
فهو دليل على جواز رمي جمرة العقبة بعد الفجر؛ لأن ابن عباس ليس من الضعفة الذين رخص لهم (١).
ولكنه مردود بأنه حديث ضعيف الإسناد من جهة، ومخالف لما صح عن ابن عباس، من طرق عدة أنه - ﷺ -: «أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس» من جهة ثانية (٢).
٤ - حديث أسماء ﵂ السابق: «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة .. فارتحلوا، حتى رمت الجمرة ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقال لها مولاها: يا هنتاه! ما أرانا إلا قد غلسنا! قالت: يا بني! إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن» (٣).
٥ - حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام، بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن
_________________
(١) انظر: الاستذكار (١١/ ٢٦٣).
(٢) انظر: تعليق محققي مسند الإمام أحمد (٥/ ١٠٠) وانظر ما سيأتي من هذا البحث (١٠٩) وما بعدها.
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ١٠٥ ]
عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ -» (١).
فحديث أسماء وفعلها، وحديث ابن عمر وفعله بأهله: دليلان صريحان على جواز الرمي بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، مطلقًا للضعفة وغيرهم، لا سيما وفيهم من ليس من الضعفة والعجزة (٢).
واستدل أصحاب القول الثاني: على أن وقت الجواز لرمي جمرة العقبة يبدأ بعد منتصف ليلة النحر، مطلقًا للقادر والعاجز بأدلة، منها.
١ - ما روته عائشة ﵂ قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله - ﷺ -؛ تعني عندها» (٣).
٢ - ما روته أم سلمة ﵂ قالت: «قدمني رسول الله - ﷺ - فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى» (٤).
_________________
(١) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ٦١٦، ٦١٧).
(٣) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث (٩٣).
(٤) أورده الإمام ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠)، وعزاه للخلال بسنده، قال: أنبأنا علي بن حرب حدثنا هارون بن عمران عن سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة، فساقه، ثم ضعفه بسليمان بن داود الخوليان. قال ابن حبان: "سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق، ثقة مأمون، وقد أثنى على سليمان هذا: أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ. وقال الحافظ ابن حجر: "أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب في أنه صدوق" انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٩٣). وقال الشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨) ولا شك أن هذه الرواية عن أم سلمة تقوى الرواية الأولى عن عائشة .. وسليمان المذكور، وثقه، وأثنى عليه غير واحد .. وبذلك كله يعلم أن روايته لا تقل عن أن تكون عاضدًا لغيرها. اهـ.
[ ١٠٦ ]
فدل هذان الحديثان على جواز رمي جمرة العقبة قبل فجر يوم النحر بليل (١).
٣ - حديث أسماء السابق في الصحيحين (٢)؛ ولفظه عند أبي داود؛ عن أسماء: «أنها رمت الجمرة، قال مولاها، إنا رمينا الجمرة بليل! قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله - ﷺ -» (٣).
فهو دليل على جواز رمي جمرة العقبة بليل قبل طلوع الفجر يوم النحر (٤).
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨) الاستذكار (١١/ ٢٦٠، ٢٦٣، ٢٦٤) البيان (٤/ ٣٣١) المغني (٥/ ٢٩٥).
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) سنن أبي داود (٢٨٤) كتاب المناسك باب التعجيل من جمع (١٩٤٣) وصحح هذه الرواية الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٤٦) (١٩٤٣).
(٤) انظر: الاستذكار (١١/ ٢٦٤) فتح الباري (٣/ ٦١٧) بداية المجتهد (٢/ ٢٨٠ المغني (٥/ ٢٩٥).
[ ١٠٧ ]
٤ - ولأن نصف الليل الأخير من ليلة النحر وقت للدفع من مزدلفة فكان وقتًا للرمي، كبعد طلوع الشمس (١).
واعترض على الاستدلال بهذه الأدلة جميعًا من وجهين:
الأول: ضعف بعضها؛ فحديث عائشة أنكره الإمام أحمد، وابن قيم الجوزية، والبيهقي وابن التركماني، وضعفه الألباني وغيره؛ للاضطراب في متنه وسنده (٢).
وحديث أم سلمة الآخر ضعفه الإمام ابن قيم الجوزية (٣).
ولكن هذا الاعتراض مردود: بأنهما حديثان صحيحان، وقد صححهما جمع من الأئمة، كما تقدم في تخريجهما، واحتجوا بهما.
الثاني: أن غاية ما تفيده هذه الأدلة: الإذن في رميها في ذلك الوقت للضعفة والنساء ومن رخص لهم رسول الله - ﷺ -، وأما من عداهم من الأصحاء القادرين فلا (٤).
_________________
(١) انظر: البيان (٤/ ٣٣١) المغني (٥/ ٢٩٥).
(٢) انظر: سنن البيهقي ومعها الجوهر النقي (٥/ ١٣٢، ١٣٣) زاد المعاد (٢/ ٢٤٩) إرواء الغليل (٤/ ٢٧٨، ٢٧٩) (١٠٧٧) ضعيف سنن أبي داود (١٥٢) (١٩٤٢) والعجيب أن ابن القيم ﵀ صححه في زاد المعاد بعد ذلك (٢/ ٢٨٤) فلعله وهم أو تغير اجتهاده وثبتت لديه صحته.
(٣) انظر: زاد المعاد (٢/ ٢٥٠).
(٤) انظر: شرح السنة (٤/ ١٠٤) نيل الأوطار (٥/ ٧٩، ٨٢).
[ ١٠٨ ]
ولا يلزم، من كون نصف الليل وقتًا للدفع من مزدلفة أن يكون وقتًا للرمي، حتى للضعفة ونحوهم، بدليل أن النبي - ﷺ - قدم ابن عباس في ضعفة أهله من جمع بليل، و: "أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (١).
واستدل أصحاب القول الثالث؛ على أنه لا يجوز رمي جمرة العقبة مطلقًا إلا بعد طلوع الشمس، بأدلة؛ منها:
١ - فعله - ﷺ - فإنه إنما رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر (٢) وقال - ﷺ - لأمته «خذوا عني مناسككم» (٣).
٢ - ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قدم ضعفة أهله وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس».
وفي رواية قال: فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: «أُبَيْنِيَّ (٤) لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» زاد سفيان: "قال ابن عباس: ما إخال أحدًا يعقل يرمي حتى تطلع الشمس، قال أبو داود: اللطخ: الضرب اللين (٥).
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٤) أُبَيْنِيَّ: اسم مفرد يدل على الجمع، وهو تصغير أبني، كأعمى وأعيمى وقيل: هو تصغير بني، جمع ابن مضافًا إلى النفس. وقيل: هو تصغير بني؛ جمع ابن مضافًا إلى النفس انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢١) (أبَنَ).
(٥) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٤٠) كتاب الحج باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل (٨٩٣) وأبو داود في السنن (٢٨٤) كتاب المناسك باب التعجيل من جمع (١٩٤٠) وابن ماجة في السنن (٤٣٨) كتاب المناسك، باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار (٣٠٢٥) وأحمد في مسند بني هاشم، (٢٠٨٢) وصححه محققو مسند الإمام أحمد (٣/ ٥٠٤) وصححه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٤٠) والنووي في المجموع (٨/ ١٧٧) وابن حجر في فتح الباري (٣/ ٦١٧) وابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٢/ ٢٥١) والشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٨١، ٨٢) والشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٧٨) والألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٤٥، ٥٤٦) (١٩٤٠، ١٩٤١)، وأصله في الصحيحين من غير النهي عن الرمي حتى تطلع الشمس انظر (٩٢) من هذا البحث.
[ ١٠٩ ]
فهذان الحديثان: نصان صريحان في أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس لفعله - ﷺ -، ولنهيه عن رميها قبل طلوع الشمس، حتى لمن جاز لهم الدفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر (١).
قال الإمام الترمذي ﵀: "حديث ابن عباس: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم لم يروا بأسًا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل، يصيرون إلى منى، وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي - ﷺ -: «أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس» (٢).
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٨)، الاستذكار (١١/ ٢٦٢)، المغني (٥/ ٢٩٤).
(٢) الجامع الصحيح (٣/ ٢٤٠).
[ ١١٠ ]
وأجيب عن هذه الأدلة من وجهين:
الأول: أن فعل النبي - ﷺ - إذا عارض قوله، كان محمولًا على الاستحباب، وكان قوله مقدمًا على فعله؛ لاحتمال أن يكون الفعل خاصًا به، أو من باب الأفضلية (١).
الثاني: قوله - ﷺ - لابن عباس محمول على الاستحباب، وحديث عائشة في قصة أم سلمة محمول على الجواز؛ جمعًا بين الأدلة (٢).
واستدل أصحاب القول الرابع؛ على التفريق بين الضعفة والعجزة وغيرهم بأدلة منها:
أ- استدلوا على جواز رمي جمرة العقبة مع الفجر للضعفة والنساء والعجزة ومن معهم؛ بإذنه - ﷺ - لهم في رمي الجمرة بغلس، آخر ليلة النحر؛ كما هو ثابت عنه - ﷺ - في أحاديث كثيرة منها:
١ - حديث عائشة ﵄: «في إذنه لأم سلمة أن تدفع إلى منى ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» (٣).
٢ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن النبي - ﷺ - بعث به مع
_________________
(١) انظر: كتاب الحج من الحاوي الكبير (٢/ ٧٢٢) المجموع (٨/ ١٧٧).
(٢) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٨٠) البيان (٤/ ٣٣٠) المغني (٥/ ٢٩٥).
(٣) انظر: تخريجه وكلام أهل العلم عليه فيما سبق.
[ ١١١ ]
أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر» (١).
٣ - حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام؛ بالمزدلفة بليل فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ - (٢).
٤ - حديث أسماء ﵂: أنها رمت الجمرة قال مولاها: إنا رمينا الجمرة بليل! قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله - ﷺ - (٣).
فهذه الأدلة الثابتة حجة ظاهرة على جواز رمي الضعفة والعجزة والظعن ونحوهم جمرة العقبة آخر ليلة النحر؛ بعد غياب القمر، أو بغلس الصبح؛ لإذن النبي - ﷺ - لهم في ذلك ولا ينبغي التوقف في جواز ذلك لهم بعد طلوع الفجر (٤).
ب- واستدلوا على أن الأقوياء وغير الضعفة والظعن لا
_________________
(١) انظر: تخريجه وكلام أهل العلم عليه فيما سبق.
(٢) انظر: تخريجه وكلام أهل العلم عليه فيما سبق.
(٣) انظر: تخريجه وكلام أهل العلم عليه فيما سبق.
(٤) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠) الاستذكار (١١/ ٢٦٤) فتح الباري (٣/ ٦١٧) بداية المجتهد (٢/ ٢٨٠) البيان (٤/ ٣٣١) المغنى (٥/ ٢٩٥) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
[ ١١٢ ]
يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس يوم النحر بما يلي.
١ - مفهوم الأدلة السابقة وهو أن الإذن برمي الجمرة قبل طلوع الشمس إنما هو للظعن والضعفة ونحوهم، ولا يشمل غيرهم من الأقوياء الذكور والأصحاء (١).
٢ - فعله - ﷺ - فإنه إنما رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر؛ (٢)، وقال - ﷺ - لأمته «خذوا عني مناسككم» (٣).
٣ - ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قدم ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٤).
فهذه الأدلة الصحيحة تدل دلالة ظاهرة على أن الأصحاء الأقوياء لا يجوز لهم أن يرموا جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس من يوم النحر، وأن الرخصة في رميها قبل لا تشملهم (٥).
والذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن الراجح من هذه الأقوال هو القول الرابع؛ التفريق بين الضعفة والعجزة
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق.
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق. وانظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٨) الجامع الصحيح (٣/ ٢٤٠) الاستذكار (١١/ ٢٦٢) المغني (٥/ ٢٩٤).
(٤) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق.
(٥) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
[ ١١٣ ]
وغيرهم من الأقوياء الأصحاء؛ فيجوز الرمي بعد غياب القمر من ليلة النحر لمن له عذر أو يشق عليه مزاحمة الناس؛ كالمرضى والضعفة والعجزة، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له الرمي إلا بعد طلوع الشمس، لما يلي:
أولا: أن الإذن في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس للضعفة والعجزة ثابت صحيح مشهور، لا مدفع له، ولا ينبغي التوقف في الإذن لهؤلاء في الرمي بعد الصبح قبل طلوع الشمس.
ثانيًا: أن الأقوياء ثبت، كما في حديث ابن عباس، نهيهم عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.
ثالثًا: أن هذا القول هو القول الذي تجتمع به الأدلة وتتفق، والقاعدة المقررة عند أهل العلم: أن يجمع بين النصين إن أمكن، وإلا فالترجيح بينهما هو المتعين (١).
قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: «ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإنه - ﷺ - أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء، فرمين قبل طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة؛ جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٨٠).
[ ١١٤ ]
بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك» (١).
وقال الإمام الشنقيطي ﵀: «إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس لحديث أسماء، وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك».
وأما رميهم؛ أعني الضعفة والنساء، قبل طلوع الفجر، فهو محل نظر، فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه، وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع، وإلا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم؛ فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة، وحديث عائشة على وقت الجواز؛ وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى (٢).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
(٢) أضواء البيان (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠).
[ ١١٥ ]