هذه المسألة فرع عن المسألة السابقة، والكلام فيها مبني على الخلاف في المسألة السابقة؛ فمن أجاز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر أجاز الوقوف فيها قبل ذلك، ومن لمن يجز الدفع منها قبل طلوع الفجر، لم يجز الوقوف قبله.
والذي سبق بيانه: أن الفقهاء متفقون على جواز تقديم دفع الظعن والضعفة ومرافقيهم من مزدلفة إلى منى بآخر الليل، فهؤلاء يجوز لهم الوقوف بالمزدلفة قبل طلوع الفجر (٤).
_________________
(١) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٢) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٢) فتح الباري (٣/ ٦١٦) المغني (٥/ ٢٨٤، ٢٨٥) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢) خالص الجمان (٢١٨، ٢١٩) مناسك الحج والعمرة، ابن عثيمين (٨٢، ٨٣) الحج أحكامه وصفته (٩٩).
(٤) انظر: ما سبق من هذا البحث.
[ ٩٧ ]
لما ثبت في الصحيحين من حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام؛ بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فمنهم من يقدم مني لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ -» (١).
وأما من ليس من الظعن والضعفة ولا مرافقًا لهم فإنه يبيت بالمزدلفة إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر، صلى الفجر في أول وقتها؛ لفعله - ﷺ -: فقد روي ابن مسعود ﵁ قال: «ما رأيت النبي - ﷺ - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٦) كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة يدعون، ويقدم إذا غاب القمر، (١٦٧٦) ومسلم في صحيحه (٥١١) كتاب الحج باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس (١٢٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٧) كتاب الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع (١٦٨٢) ومسلم في صحيحه (٥٠٩) كتاب الحج، باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر بالمزدلفة (١٢٨٩).
[ ٩٨ ]
وقوله: "قبل ميقاتها" المراد منه؛ قبل وقتها المعتاد، لا قبول طلوع الفجر؛ فإنه لا تجوز صلاة الفجر إلا بعد التحقق من طلوع الفجر الثاني بإجماع المسلمين. وهذا الفعل منه - ﷺ - مبالغة في التغليس بصلاة الفجر يوم النحر؛ ليتفرغ الحاج لما بعدها من أعمال الحج (١).
ثم إذا صلى الفجر وقف عند المشعر الحرام (٢) إن تيسر له ذلك، وإلا فالمزدلفة كلها موقف، كما ثبت عنه - ﷺ - من حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي - ﷺ - أنه وقف عند المشعر الحرام (٣)، وقال: «وقفت ههنا، وجمع كلها موقف» (٤).
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٤١٣).
(٢) المشعر الحرام: اسم لقزح خاصة؛ وهو جبل بالمزدلفة، وهذا مذهب الفقهاء. ومذهب المفسرين وأهل السير: أنه جميع المزدلفة، وقد جاء في الأحاديث ما يدل لكلا المذهبين. وذكر بعض أهل العلم: أن مسجد مزدلفة مبني عليه الآن. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٢٩) (شعر) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٤١٦، ٤١٧) المسالك في المناسك (١/ ٥٤٠) البيان (٤/ ٣٢٥) مفيد الأنام (٢/ ٥٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٤٦).
(٣) انظر: تخريجه (٣) من هذا البحث وانظر (٦٦) من هذا البحث.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٨٥) كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (١٤٩) (١٢١٨).
[ ٩٩ ]
وفي رواية: «وارتفعوا عن بطن محسر (١)» (٢).
فيدعو ويذكر الله حتى يسفر الصبح جدًا؛ لقول الحق ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس (٣).
والوقوف بالمزدلفة من جملة واجبات الحج عند الحنفية، من تركه من غير عذر وجب عليه دم (٤)، لقوله - ﷺ - لعروة بن مضرس، رضي الله تعالى عنه: «من صلى هذه الصلاة معنا، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (٥).
والجمهور: على أن الوقوف بالمزدلفة سنة وليس
_________________
(١) محسر: واد بين يدي موقف المزدلفة مما يلي منى، وهو مسيل قدر رمية بحجر بين المزدلفة ومنى، انظر: المصباح المنير (٧٤) (حسر) معجم البلدان (٥/ ٧٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٧٥).
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه (٤٣٦) كتاب المناسك باب الموقف بعرفات (٣٠١٢) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٣/ ٤٣) (٢٤٥٧).
(٣) انظر: المسالك في المناسك (١/ ٥٣٠، ٥٣٩ - ٥٤٢) البيان (٤/ ٣٢٤، ٣٢٥) منسك ابن جماعة (٧٥) المغني (٥/ ٢٨٢، ٢٨٣) منسك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦، ٧٧) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٤٦ - ٣٥٠).
(٤) انظر: المبسوط (٤/ ٦٣) المسالك في المناسك (١/ ٥٤٢).
(٥) انظر: تخريجه والحكم عليه فيما سبق من هذا البحث.
[ ١٠٠ ]
واجبًا (١) لأن النبي - ﷺ - قال: «الحج عرفة» (٢).
فإذا طلعت الشمس يوم النحر فات وقت الوقوف بالمزدلفة بإجماع أهل العلم (٣).