طواف الإفاضة ويسمى: طواف الزيارة، وطواف الفرض؛ ركن من أركان الحج التي لا يتم الحج إلا بها بإجماع أهل العلم (١).
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
فهو أمر للحجيج بالطواف بالبيت؛ قال مجاهد ﵀: «يعني: الطواف الواجب يوم النحر» (٢).
ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء (٣).
فأما وقت الفضيلة: فضحى يوم النحر، بعد الرمي والحلق؛ لفعله - ﷺ - في حجته؛ حيث روى مسلم عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - لما رمى جمرة العقبة ضحى، وذبح، وحلق: «ركب فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر» (٤).
ولا خلاف في هذا بين أهل العلم (٥).
وأما وقت الجواز: فمحل خلاف بين أهل العلم
_________________
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٣٤٧) الإجماع (٢٣) البيان (٤/ ٣٥٤) المجموع (٨/ ١٩٦ - ١٩٨) المغني (٥/ ٣١١).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٤١٨).
(٣) انظر: البيان (٤/ ٣٤٥) المغني (٥/ ٣١٢، ٣١٣).
(٤) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٣٤٧) المسالك في المناسك (١/ ٥٩٢) البيان (٤/ ٣٤٥) المغني (٥/ ٣١٢).
[ ١١٦ ]
والخلاف فيه مبني على الخلاف في مسألتي: الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة (١)؛ وقد مضى الكلام في ذلك مفصلا في المسألتين السابقتين، مما يغني عن إعادة يطول بها البحث.
ولكن من باب الاختصار الذي يحصل به المقصود دون إطالة.
ذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن أول وقت لطواف الإفاضة: هو بعد نصف الليل من ليلة النحر (٢) استدلالا بالأدلة الدالة على أن الدفع من مزدلفة يجوز بعد نصف ليلة النحر؛ وأصرحها في هذا: حديث عائشة ﵂ قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله - ﷺ - تعني عندها» (٣).
وذهب الحنفية والمالكية: إلى أن أول وقت لطواف الإفاضة: هو طلوع الفجر من يوم النحر (٤)؛ استدلالا بأن الدفع
_________________
(١) أقوالًا وأدلة؛ كما ذكر ذلك جمع من أهل العلم منهم: العمراني في البيان (٤/ ٣٤٥) وابن قدامة في المغني (٥/ ٣١٣).
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٣٤٧) البيان (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦) المغني (٥/ ٣١٣).
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٤) انظر: هذه الأدلة وبيان القول الراجح في المسألة فيما سبق من هذا البحث.
[ ١١٧ ]
من مزدلفة إنما هو بعد طلوع الفجر؛ لما سبق من الأدلة (١).
والذي تقتضيه الأدلة الصحيحة: التي سبق بيانها في مسألتي الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة: التفريق بين الضعفة والنساء، والأقوياء الأصحاء:
فالضعفة والنساء: يجوز لهم أن يطوفوا بالبيت بعد طلوع الفجر؛ لإذنه - ﷺ - لضعفه أهله وللظعن بالدفع من مزدلفة آخر الليل (٢).
وأما الأصحاء الأقوياء: فلم يدل الدليل على الإذن لهم بالدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر، ولم يؤذن لهم في رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس؛ بل دل الدليل على أن الذي ينبغي لهم هو البقاء في المزدلفة حتى يصلوا الفجر بها، ثم يقفوا بها كما وقف المصطفى - ﷺ - ثم يدفعوا إلى منى قبل طلوع الشمس، ويرموا الجمرة ضحى يوم النحر، ثم يحلقوا، وينحر من معه الهدي هديه، ثم يفيضوا إلى مكة لطواف الإفاضة.
هذا هو الذي دل عليه الدليل الصحيح، وفعله النبي - ﷺ - وقال لأمته «خذوا عني مناسككم» (٣).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٢/ ٢٤٧، ٣٣٠) رد المحتار (٢/ ٥١٨) مواهب الجليل (٢/ ٨٢٩ أسهل المدارك (١/ ٢٩٢).
(٢) انظر: ما سبق من هذا البحث.
(٣) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث، وانظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠) زاد المعاد (٢/ ٢٥٢).
[ ١١٨ ]