لا يصح الصوم بإجماع أهل العلم إلا بنية؛ فرضًا كان أو تطوعًا؛ لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى النية؛ كالصلاة؛ وقد قال المصطفى - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
حكى الإجماع على ذلك العمراني، وابن قدامة، وغيرهما (٢).
فإن كان الصوم فرضًا، كصيام رمضان، في أدائه وقضائه، والنذر والكفارة اشترط أن ينويه قبل طلوع الفجر الثاني، عند المالكية والشافعية، والحنابلة (٣).
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - ما روته حفصة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧) كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (١) ومسلم في صحيحه (٧٩٢) كتاب الإمارة (١٩٠٧).
(٢) انظر: البيان (٣/ ٤٨٨) المغني (٤/ ٣٣٣).
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٦، ٣٥٧) البيان (٣/ ٤٨٩) المجموع (٦/ ٣٠٢) المغني (٤/ ٣٣٣).
(٤) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ١٠٨) كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، (٧٣٠) والنسائي في سننه الصغرى (٤/ ١٤٦) كتاب الصيام، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، (٢٣٣١) وأبو داود في سننه (٣٥٥) كتاب الصيام، باب النية في الصيام (٢٤٥٤) والدارقطني في سننه (٣/ ١٣٠) كتاب الصيام، باب النية في الصيام (٢٢١٦) وقال: "رفعه عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، وهو من الثقات الرفعاء". وصححه الألباني في الإرواء (٤/ ٢٥) (٩١٤).
[ ٧١ ]
٢ - ما روته عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» (١).
٣ - ولأنه صوم فرض، فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء (٢).
وذهب الحنفية: إلى أن وقت النية لصيام الفرض لا ينتهي بطلوع الفجر الثاني، بل يجزئ صيام رمضان، وكل صوم متعين بنية من النهار (٣).
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
١ - ما رواه سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أمر النبي - ﷺ - رجلًا من أسلم؛ أن أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء (٤).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ١٢٨) كتاب الصيام، باب النية في الصيام (٢٢١٣) وقال: "تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بهذا الإسناد وكلهم ثقات اهـ.
(٢) انظر: المغني (٤/ ٣٣٤).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٧٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨١) كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، (٢٠٠٧) ومسلم في صحيحه (٤٣٩) كتاب الصيام باب من أكل في عاشوراء، فليكف بقية يومه (١١٣٥).
[ ٧٢ ]
وقد كان صوم عاشوراء واجبًا متعينًا فدل ذلك على أنه يجوز أن تتأخر نية الصيام عن الفجر (١).
٢ - قياسًا على التطوع؛ لأنه غير ثابت في الذمة (٢).
والذي يظهر والله تعالى أعلم، القول الأول؛ أنه يشترط أن ينوي صيام الفرض قبل طلوع الفجر الثاني؛ لما يلي:
١ - قوة أدلة هذا القول، وصراحتها؛ فهي نص من المسألة.
٢ - أن صيام عاشوراء لم يثبت وجوبه؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (٣)، من حديث معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر».
وإنما سمي النبي - ﷺ - الإمساك صيامًا تجوزًا، في حديث سلمة بن الأكوع؛ وإلا فإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي.
_________________
(١) انظر: المغني (٤/ ٣٣٣).
(٢) انظر: المغني (٤/ ٣٣٣، ٣٣٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨٠) كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (٢٠٠٣) ومسلم في صحيحه (٤٣٨) كتاب الصيام باب صوم يوم عاشوراء (١١٢٩).
[ ٧٣ ]
٣ - أن صيام التطوع يختلف عن صيام الفرض من وجهين:
الأول: أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار، بشرط عدم المفطرات في أوله؛ بدليل قول النبي - ﷺ - في حديث عاشوراء: «فليصم بقية يومه» (١) فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار، دون أوله بخلاف الفرض؛ فإن الصوم يجب في جميع النهار، ولا يكون صائمًا بغير النية.
الثاني: أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرًا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية من الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، كمسامحته في ترك القيام من صلاة التطوع، وترك الاستقبال في النفل في السفر تكثيرًا له، وترغيبًا فيه بخلاف الفرض (٢).
وأما إذا كان الصيام تطوعًا: فقد ذهب جمهور أهل العلم؛ الحنفية والشافعية والحنابلة، على صحة نيته بعد طلوع الفجر، من النهار، ما لم يكن أتى قبل ذلك بمفطر من المفطرات (٣).
_________________
(١) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٢) انظر: المغني (٤/ ٣٣٥) بتصرف يسير.
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٣٧٧، ٣٧٨) البيان (٣/ ٤٩٥) المجموع (٦/ ٣٠٥، ٣٠٦) المغني (٤/ ٣٤٠).
[ ٧٤ ]
واستدلوا على هذا بأدلة منها:
١ - ما روت عائشة ﵂ قالت: دخل علي النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا! قال: «فإني إذن صائم» (١).
٢ - حديث عاشوراء المتقدم؛ حيث جوز النبي - ﷺ - صيامه بنية من النهار (٢).
٣ - قياسًا على التطوع بالصلاة؛ فإن نقلها يخفف عن فرضها في أحكام كثيرة؛ منها جواز ترك القيام، وجواز الصلاة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، وغير ذلك من الأحكام المخففة (٣).
وخالف المالكية، وبعض الشافعية الجمهور في هذا؛ فقالوا: لا يجوز صوم التطوع إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر (٤)، واستدلوا على هذا بأدلة منها:
١ - عموم قوله - ﷺ -: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٤٥) كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال (١٧٠) (١١٥٤).
(٢) انظر تخريجه فيما سبق من البحث.
(٣) انظر: المغني (٤/ ٣٤١).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٥٦، ٣٥٧) البيان (٣/ ٤٩٥) المجموع (٦/ ٣٠٦).
(٥) انظر تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ٧٥ ]
٢ - قياسًا على الصلاة؛ فإنه يتفق وقت النية لفرضها ونفلها (١).
والذي يظهر والله تعالى أعلم، أن القول الأول أرجح؛ لأن فعله - ﷺ - الثابت عنه في التطوع خاص، ودليل المالكية ومن معهم عام، والخاص مقدم على العام (٢).
ولأن دليل الجمهور في جواز نية التطوع من النهار أصح سندًا من دليل المالكية، والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها؛ لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها، بخلاف الصوم، فإنه قد يعن له الصوم من النهار، فعفي عنه؛ كما جاز التنفل قاعدًا وعلى الراحلة لهذه العلة (٣).