أهمية الموضوع، وأسباب الكتابة فيه:
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا إليه صراطًا مستقيمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لم يزل عليًا قديرًا، قويًا عزيزًا، إلهًا حكيمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلي الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن الله ﵎ أمر عباده المؤمنين بجملة من العبادات العظيمة، والأركان الجليلة لهذا الدين؛ صلاة، وزكاة وصيامًا، وحجًا، وغيرها، وجعل لها أجلًا مضروبًا، وموعدًا محدودًا، بيَّنه سبحانه في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين - ﷺ - أتم البيان وأوضحه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي مؤقتًا بوقت محدد مبين (١).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٤).
[ ٥ ]
أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، قال: «فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخَّر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخَّر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين» (١).
بل نص أهل العلم على أن من شروط صحة الصلاة: دخول الوقت، فلا يجوز أداء الصلاة قبل وقتها المحدد لها شرعًا، كما لا يجوز بعد خروج وقتها، وهذه المسألة مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة سلفًا وخلفًا، استنادًا إلى الحديث الشريف الذي سبق، في تحديد مواقيت الصلاة، وغيره من الأدلة المعروفة في هذا الخصوص.
قال ابن قدامة ﵀: "أجمع المسلمون على أن
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٤) كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس (١٧٨) (٦١٤).
[ ٦ ]
الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة، وقد ورد ذلك في أحاديث صحاح جياد (١).
ونص الفقهاء، ﵏، على أن المكلف إذا شك في دخول وقت الصلاة، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك (٢).
قال العلامة ابن قدامة ﵀: "ومن صلى قبل الوقت لم تجزئه صلاته، في قول أكثر أهل العلم؛ سواء فعله عمدًا أو خطأ، كل الصلاة أو بعضها. وبه قال الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي .. وعن مالك كقولنا، وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق جاهلًا أو ناسيًا، يعيد ما كان في الوقت، فإن ذهب الوقت قبل علمه، أو ذكره فلا شيء عليه، ولنا أن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها، وما وجد بعد ذلك ما يزيله ويبرئ الذمة منه، فيبقى على حاله (٣).
هذا في الصلاة:
وأما في الصيام؛ فقد قال الله سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فحدد الله ﵎ بهذه
_________________
(١) المغني (٢/ ٨) وانظر: البيان (٢/ ٢٠، ٢٢).
(٢) انظر: البيان (٢/ ٢٠، ٣٤، ٣٦) المغني (٢/ ٣٠).
(٣) المغني (٢/ ٤٥، ٤٦).
[ ٧ ]
الآية الكريمة وقت الصيام اليومي للمسلم تحديدًا واضحًا بينًا.
وفي الحج: حج المصطفى - ﷺ - حجته المشهورة (حجة الوداع) وأدى مناسك الحج في أوقات محددة وكان - ﷺ - يتحيَّن في بعض الأحكام، حتى يحين وقتها، فيفعلها؛ كالدفع من عرفة، ورمي الجمار بعد الزوال أيام منى، وغيرها، مما أوضحه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵁ في صفة حجة النبي - ﷺ - التي نقلها ورواها في الصحيح (١).
وكان - ﷺ - يقول للصحابة الذين حجوا معه بين الحين والآخر: «خذوا عني مناسككم» (٢).
وهذا كله يدل على أهمية الوقت في الإسلام، وأن لله تعالى عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وأن العبادات، في الغالب، مؤقتة بأجل محدود، لا يجوز تأخيرها عنه، ولا تقديمها عليه إلا لعذر وضرورة، كما بين أهل العلم، ﵏.
وقد رسم الشرع الحنيف التوقيت وحدده في تكاليف كثيرة، غير الصلاة والصيام والحج، لا سيما في أبواب
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٨٣، ٤٨٥) كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - (١٢١٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٨٣) كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - (١٢١٨).
[ ٨ ]
العبادات؛ فوقت في كثير من أحكام الزكاة عمومًا، وزكاة الفطر خصوصًا، والأضحية والتيمم، والمسح على الخفين، والطلاق، والعدد، ونحو ذلك، وما ذاك إلا لأهمية الوقت في نظر الشارع واعتباره.
هذا، وإن من المسائل المهمة في المواقيت مسألة طلوع الفجر الثاني الصادق؛ حيث رتب الشارع عليها جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بأركان الإسلام العظيمة، ودعائمه الأساسية التي قام عليها؛ في الصلوات المفروضة والنافلة، وفي الصيام، وفي الحج؛ بحيث يبدأ وقت بعض هذه الأحكام أو ينتهي بطلوعه.
ونظرًا لأن الفجر فجران؛ صادق وكاذب، والتفريق بينهما من المسائل الدقيقة، ونظرًا لكثرة المسائل الفقهية المتعلقة بطلوعه وأهميتها؛ حيث إنها من العبادات الشرعية التي تعبدنا الله تعالى بها، ونظرًا لأنه لا يوجد حسب علمي وبحثي واطلاعي بحث علمي يفرق بين الفجرين، ويجمع شتات هذه المسائل المؤقتة بطلوع الفجر الثاني، ويحرر أحكامها، ويؤصل مسائلها، ولأهمية هذا الموضوع لكل مسلم، باعتباره جزءًا عظيمًا من عبادته لربه، لا يستغني عن معرفته وضبطه - رغبت في بحث المسائل والأحكام الفقهية التي رتبها الشارع الحكيم على طلوع الفجر الثاني (الصادق)، جمعت
[ ٩ ]
فيه ما تناثر من هذه المسائل في أبواب العبادات، وأصَّلتها بأدلتها الصحيحة، وفوائدها الشرعية؛ سواء في ذلك ما كان فائتًا بطلوع الفجر الثاني، أو كان وقته يبدأ بطلوع الفجر الثاني، وسرت في بحث هذه المسألة بعد هذه المقدمة المشتملة على أهمية البحث وسببه على الخطة التالية