مر معنا في تعريف الفجر: أن الفجر في لغة العرب، وفي اصطلاح أهل العلم نوعان؛ الفجر الأول: وهو الفجر الكاذب، والفجر الثاني: وهو الفجر الصادق.
وقد أشار الله سبحانه إلى هذين النوعين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١٤١) البيان (٢/ ٣٢) المغني (٢/ ٣٠).
[ ١٧ ]
قال عدي بن حاتم ﵁: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت انظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار» (١).
وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، رحمه الله تعالى عليه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الفجر فجران؛ فالذي كأنه ذنب السرحان، لا يحرم شيئًا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» (٢).
والتفريق بين الفجرين: الأول، والثاني (الكاذب والصادق)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦١) في تفسير الآية من كتاب الصوم (١٩١٦) ومسلم في صحيحه (٤٢٢) كتاب الصوم، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (١٠٩٠).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري بسنده في تفسيره (٣/ ٢٥٢، ٢٥٣) ومن طريقه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٢٠) وقال: وهذا مرسل جيد اهـ. وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٨٩) كتاب الصيام، باب ما قالوا في الفجر ما هو (٩٠٧١) والحاكم بنحوه عن ابن عباس مرفوعًا، في كتاب الصوم (١٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي في التلخيص، المستدرك ومعه التلخيص (١/ ٥٨٧). والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٧٧) كتاب الصوم، باب الفجر فجران، ودخول وقت الصبح بطلوع الآخر منهما، وصححه مرسلًا. وصححه بشواهد الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ٨ - ٩) (٢٠٠٢).
[ ١٨ ]
من المسائل الشرعية الدقيقة التي يحتاج إلى معرفتها كل مسلم؛ لما ينبني على ذلك من صحة إيقاع العبادات المحددة المرتبة على طلوع الفجر في وقتها الشرعي الصالح لها؛ ولأن التشابه بين الفجرين يخدع من ليس عنده خبرة للتمييز بينهما، ويغره؛ ولأجل هذا فقد نبه المصطفى - ﷺ - إلى هذا في حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا؛ يعني: معترضًا» (١).
وفي رواية عنه قال: «لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر، أو قال: حتى ينفجر الفجر» (٢).
وعن طلق بن علي، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله - ﷺ - قال: «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» (٣).
قال الإمام الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٢٤) كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٤٣) (١٠٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٢٤) كتاب الصيام باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، (٤٤) (١٠٩٤).
(٣) أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٨٥) كتاب الصوم، باب ما جاء في بيان الفجر، (٧٠٥) وأبو داود في سننه (٣٤٢) كتاب الصوم، باب وقت السحور، (٢٣٤٨) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٦) (٢٣٤٨) حسن صحيح.
[ ١٩ ]
العلم؛ أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول عامة أهل العلم (١).
قال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: "قوله: (لا يهيدنكم) معناه: لا يمنعكم الأكل، وأصل الهَيْد: الزجر؛ يقال: هِدْتُ الرجل، أَهِيدُه هيْدًا، إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب: هَيْدَ هَيْدَ، والساطع المرتفع، وسطوعها ارتفاعها مصعدًا، مثل أن يعترض، ومعنى الأحمر ههنا، أن يستبطن البياض المعترض أوائل الحمرة؛ وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه، ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبه الصبح بالبلق في الخيل، لما فيه من بياض وحمرة (٢).
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الفجر ليس الذي يقول هكذا؛ وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا؛ ووضع المُسَبِّحة على المُسَبِّحة، ومد يديه» وفي لفظ: «الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل» (٣).
_________________
(١) الجامع الصحيح (٣/ ٨٦).
(٢) معالم السنن (٢/ ٩٠).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (٤٢٣، ٤٢٤) كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، (٣٩) (١٠٩٣) والبخاري بنحوه في صحيحه (١٥٧، ١٥٨) كتاب الأذان باب الأذان قبل الفجر (٦٢١).
[ ٢٠ ]
واستنادًا إلى هذه النصوص الشرعية: وغيرها مما هو في معناها، فقد ذكر أهل العلم جملة من الفروق بين الفجرين؛ الكاذب والصادق، يتبين من خلالها صفات كل منهما؛ بيانها على النحو التالي.
١ - أن الفجر الكاذب مستطيل ساطع، ممتد من الشرق إلى الغرب، مصعد كالعمود إلى أعلى، جهته وسط السماء، أو يميل قليلًا.
أما الفجر الصادق فإنه يخرج معترضًا مستطيرًا في الأفق، معترضًا من الجنوب إلى الشمال، يملأ بياضه وضوؤه الطرق والأسواق.
٢ - أن الفجر الكاذب ساطع له بياض ونور، لكن بياضه ونوره يزول بالظلمة التي تعقبه، وتكون في أسفله مما يلي المشرق في الأفق.
أما الفجر الصادق فإن نوره وبياضه يزداد وربما كان في نوره توريد بحمرة بديعة، خاصة إذا كانت السماء صافية، وقد تظهر هذه الحمرة كما لو كانت كدرًا وغالبًا ما يكون في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس، وينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها.
٣ - أن الفجر الكاذب له رأس مستدق إلى أعلى في السماء يشبه ذنب السرحان (الذئب) والفجر الصادق ليس كذلك.
[ ٢١ ]
٤ - أن الفجر الكاذب يتشكل في الفلك، وليس في الأفق القريب من الأرض، بخلاف الفجر الصادق؛ فإنه يتشكل في الأفق القريب.
٥ - أن الفجر الكاذب يؤثر فيه ضوء القمر، وفي ليالي وجود القمر جهة الشرق آخر الليل تصعب معرفته إلا على من لديه خبرة ودراية كافية بأوصافه وأحواله.
أما الفجر الصادق فإن تأثير ضوء القمر عليه محدود وضعيف، حتى لو كان القمر في جهة الشرق آخر الليل.
٦ - أن الفجر الكاذب يخرج قبل الفجر الصادق بنحو ساعة، أو ساعة، إلا ربعًا، أو قريبًا من ذلك.
بينما يكون خروج الفجر الصادق بعد الكاذب، وقبل طلوع الشمس بوقت محدود، يزيد هذا الوقت وينقص بمقدار معلوم حسب دورة الشتاء والصيف (١).
وإذا تقررت هذه الفروق المهمة بين الفجرين الكاذب والصادق (الأول والثاني) فإن جميع الأحكام الشرعية المنوطة بطلوع الفجر إنما تتعلق بطلوع الفجر الصادق (الثاني)
_________________
(١) انظر في الفروق بين الفجرين: جامع البيان (٣/ ٢٥١، ٢٥٢) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين (٢/ ٣٥٧) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٦٣ - ١٦٧) بدائع الصنائع (١/ ١٢٢) بداية المجتهد (١/ ٢٤٠) التمهيد (٢/ ٩٩، ١٠٠) الحاوي الكبير (٢/ ٢٨، ٢٩) الشرح الممتع على زاد المستنقع (٢/ ١٠٧) المحلى (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) مشروع دراسة الشفق، المرحلة الأولى (١١ - ١٤).
[ ٢٢ ]
باتفاق أهل العلم، وأما الفجر الكاذب (الأول) فلا يتعلق بطلوعه حكم شرعي، وقد نصت الأحاديث السابقة على هذا (١).