شروط العقيقة
أولًا: أن تكون العقيقة من الأنعام وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ولا تصح العقيقة بغير هذه الأنواع كالأرنب والدجاجة والعصفور وهذا قول جماهير أهل العلم من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. (١)
وخالف في ذلك ابن حزم الظاهري فقال: [ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يقع عليه اسم الشاه إما من الضأن وإما من الماعز فقط ولا يجزئ في ذلك من غير ما ذكرنا لا من الإبل ولا من البقر الإنسية ولا من غير ذلك] (٢)، ونقل هذا القول عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وهو رواية عن الإمام مالك وهو البندنيجي من الشافعية. (٣)
واحتج هؤلاء بظاهر الأحاديث التي ذكر فيها لفظ الشاة والكبش كحديث ابن عباس: (عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا) وكحديث أم كرز: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) قالوا لفظ الشاة يطلق على الواحدة من الضأن والمعز.
قال ابن حزم: [واسم الشاة يقع على الضائنة والماعز بلا خلاف] (٤)، واحتج ابن حزم أيضًا بما رواه بسنده عن يوسف بن ماهك أنه دخل على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وقد ولدت للمنذر بن الزبير فقلت لها: (هلا عققت جزورًا عن ابنك قالت: معاذ الله كانت عمتي عائشة تقول على الغلام شاتان وعلى
_________________
(١) انظر المجموع ٨/ ٤٤٨، الخرشي ٣/ ٤٧، بداية المجتهد ١/ ٣٧٦، كفاية الأخيار ٥٣٥، فتح الباري ٦/ ١٠.
(٢) المحلى ٦/ ٢٣٤.
(٣) شرح السنة ١١/ ٢٦٤، المنتقى ٣/ ١٠٣، فتح الباري ٦/ ١٠.
(٤) المحلى ٦/ ٢٣٧.
[ ٣٢ ]
الجارية شاة) (١)، وأما الجمهور فيمكن الاحتجاج لهم بقول النبي - ﷺ -: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا) ولم يذكر دمًا فما ذبح عن المولود على ظاهر هذا الخبر يجزئ كذا قال ابن المنذر (٢) وفيه ضعف.
ولعل الأصح في الاحتجاج لقول الجمهور هو قياس العقيقة على الأضحية والهدي كما ذهب إليه كثير من العلماء، قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا] (٣)، وأشار إليه النووي وابن قدامة وغيرهما (٤). وكذلك نقل عن جماعة من السلف جواز العقيقة من الإبل والبقر فعن قتادة: (أن أنس بن مالك كان يعق عن بنيه الجزور) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي (٥) وعن أبي بكرة أنه نحر عن ابنه عبد الرحمن جزورًا فأطعم أهل البصرة. (٦)
وأما إدعاء ابن حزم بأن ذكر الشاة في الأحاديث يعني عدم جواز أن تكون العقيقة من الإبل والبقر فمردود لأن الأحاديث لا تحصر العقيقة في الشياه وإنما ذلك سبيل التمثيل ولأنه المتيسر للناس أكثر من الإبل والبقر واعتاد الناس على ذبح الشياه أكثر من الإبل والبقر. (٧)
_________________
(١) المحلى ٦/ ٢٣٦، تحفة المودود ص ٥٦.
(٢) الموطأ بهامش المنتقى ٣/ ١٠٣.
(٣) المجموع ٨/ ٤٢٩، المغني ٩/ ٤٦٣.
(٤) مجمع الزوائد ٤/ ٥٩، وانظر الفتح الرباني ١٣/ ١٢٤، تحفة المودود ص ٦٥، شرح السنة ١١/ ٢٦٤.
(٥) تحفة المودود ص ٦٥.
(٦) أحكام الذبائح ص ١٧٧.
(٧) نيل الأوطار ٥/ ١٥٦.
[ ٣٣ ]
قال الشوكاني: [ولا يخفى أن مجرد ذكرها - الشاة - لا ينفي إجزاء غيرها] (١)، هذا من جهة ومن جهة أخرى لا نسلم أن لفظ الشاة خاص بالضأن والمعز صحيح أنه المشهور في ذلك ولكن ورد في اللغة إطلاق الشاة على البقر وغيرها، قال ابن منظور: [والشاة الواحد من الغنم تكون للذكر والأنثى وقيل الشاة تكون من الضأن والمعز والظبا والبقر والنعام وحمر الوحش] (٢)، وخلاصة القول أنه يجوز أن تكون العقيقة من الضأن والمعز والإبل والبقر كما قال الجمهور.
ووقع خلاف في الأفضل من هذه الأنواع:
- فقال الشافعي وبعض المالكية أن البدنة والبقرة أفضل من الغنم قالوا لأنها نسك فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل قياسًا على الهدايا. (٣)
- وقال الإمام مالك: [الضأن أفضلها ثم المعز أحب إليه من الإبل والبقر لأن الرسول - ﷺ - عق عن الحسن والحسين بشاة شاة].
ثانيًا: أن تكون العقيقة سليمة من العيوب وهذا مذهب جمهور أهل العلم (٤). والمقصود بالعيوب هي ذاتها التي تمنع الإجزاء في الأضحية كما نص عليه كثير من أهل العلم.
قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا لا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة القرن ولا مريضة ]. (٥)
_________________
(١) لسان العرب ٧/ ٢٤٤.
(٢) كفاية الأخيار ص ٥٣٥، بداية المجتهد ١/ ٣٧٦ والهدايا جمع هدي.
(٣) المنتقى ٣/ ١٠٣، كفاية الأخيار ص ٥٣٥.
(٤) المجموع ٨/ ٤٢٩ - ٤٣٠، المغني ٩/ ٤٦٣، شرح السنة ١١/ ٢٦٧، حاشية العدوي على الخرشي ٣/ ٤٧، بداية المجتهد ١/ ٣٧٧، كفاية الأخيار ص ٥٣٥، تحفة المودود ص ٦٣.
(٥) الموطأ بهامش المنقى ٣/ ١٠٣.
[ ٣٤ ]
وقال الإمام الترمذي: [وقال أهل العلم لا يجزئ العقيقة من الشاة إلا ما يجزئ في الأضحية]. (١)
وبناء على ذلك لا يجزئ في العقيقة العرجاء البين عرجها، ولا العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ولا العجفاء الهزيلة، ولا العمياء، ولا الكسيرة، ولا الكسيحة.
والعقيقة قربة يتقرب بها العبد إلى الله ﷾ فينبغي أن تكون سليمة من العيوب سمينة فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وخالف ابن حزم فأجاز المعيبة ولم يشترط سلامة العقيقة من العيوب وإن كان الأفضل عنده هو السلامة من العيوب فقال: [ويجزئ المعيب سواء كان مما يجوز في الأضحية أو كان مما لا يجوز فيها والسالم أفضل]. (٢)
وقول الجمهور أقوىوأولى وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (ائتوني به أعين أقرن).
وقال ابن قدامة: [يستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس بها عليها]. (٣)
ثالثًا: أن تتوافر الأسنان المطلوبة في العقيقة كما هو الحال في الأضحية فلا تجوز العقيقة بالغنم إلا إذا أتمت الشاة سنة من عمرها وهذا القول بناء على إلحاق العقيقة بالأضحية.
_________________
(١) سنن الترمذي ٤/ ١٠١.
(٢) المحلى ٦/ ٤٣٤.
(٣) المغني ٩/ ٤٦٣.
[ ٣٥ ]
نقل الخلال في الجامع أن الإمام أحمد قال: [وفي قول النبي - ﷺ -: (من ولد له فأحب أن ينسك عنه فليفعل) فالدليل على أنه إنما يجزئ فيها ما يجزئ في النسك سواء من الضحايا والهدايا ولأن ذبح مسنون إما واجبًا وإما استحبابًا يجري مجرى الهدي والأضحية في الصدقة والهدية والأكل والتقرب إلى الله فاعتبر فيها السن الذي يجزئ فيهما ولأنه شرع بوصف التمام والكمال ولهذا شرع في حق الغلام شاتان وشرع أن تكونا متكافئتين لا ينقص أحدهما عن الأخرى فاعتبر أن يكون سنهما سن الذبائح المأمور بها ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها]. (١)
قال ابن قدامة: [وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها] (٢)، وقال ابن رشد: [وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة]. (٣)
وقال النووي: [المجزئ في العقيقةهو المجزئ في الأضحية فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور وفيه وجه حكاه الماوردي وغيره أنه يجزئ دون جذعة الضأن وثنية المعز والمذهب الأول]. (٤)
والوجه الذي حكاه الماوردي نصره الشوكاني وقال أنه الحق (٥)، فلا يشترط عنده أن تتوافر في العقيقة الأسنان المطلوبة شرعًا في الأضحية.
_________________
(١) تحفة المودود ص ٦٣.
(٢) المغني ٩/ ٣٦٩.
(٣) بداية المجتهد ١/ ٣٧٧.
(٤) المجموع ٨/ ٤٢٩.
(٥) نيل الأوطار ٥/ ١٥٦.
[ ٣٦ ]